هل انتقمت إسرائيل من إسبانيا؟ أزمة سبتة تهز حكومة سانشيز وعشرات الآلاف يجتاحون الشوارع

سبتة – محمد رائد كعكة

لم تعد أزمة المهاجرين في سبتة مجرد قضية حدودية أو إنسانية بالنسبة لإسبانيا، بعدما تحولت إلى عاصفة سياسية وأمنية امتدت إلى شوارع عشرات المدن، وفتحت الباب أمام تساؤل أكثر حساسية: هل تتعرض مدريد لضغوط بسبب موقفها الحاد من إسرائيل وحرب غزة؟

التساؤل اكتسب زخماً بعد تصريحات لرئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز ألمح فيها إلى دور لشبكات مرتبطة بإسرائيل، إلى جانب روسيا، في نشر وتضخيم معلومات مضللة بشأن سياسات الهجرة الإسبانية، قال إنها أسهمت في تأجيج التدفق الجماعي للمهاجرين نحو سبتة.

وتزامنت هذه التطورات مع احتجاجات واسعة شهدتها أكثر من 200 منطقة في مختلف أنحاء إسبانيا، وسط غضب شعبي وسياسي متصاعد من طريقة تعامل الحكومة مع الأزمة، بالتزامن مع إحياء ما يُعرف بـ«يوم سبتة».

70 ألف مهاجر يشعلون الأزمة

وتفجرت الأزمة عقب تدفق نحو 70 ألف مهاجر إلى سبتة، المدينة الإسبانية الواقعة على الساحل الشمالي لإفريقيا، في موجة ضخمة وضعت السلطات أمام تحدٍ أمني وإنساني غير مسبوق.

ورغم عودة أعداد كبيرة من المهاجرين، لا يزال نحو 10 آلاف منهم، وفق التقديرات المتداولة، موجودين في المدينة، فيما يعيش بعضهم في الشوارع والشواطئ ومراكز ومخيمات مؤقتة.

وتزداد خطورة المشهد بالنظر إلى أن عدد سكان سبتة نفسها يبلغ نحو 80 ألف نسمة فقط، ما جعل وصول عشرات الآلاف خلال فترة زمنية قصيرة يفرض ضغوطاً هائلة على الخدمات والمرافق والبنية التحتية والأجهزة الأمنية.

وأعرب عدد من السكان عن مخاوفهم من تداعيات استمرار الأزمة على الأمن والحياة اليومية، بينما تصاعدت المطالبات للحكومة المركزية باتخاذ إجراءات أكثر صرامة لحماية الحدود.

الشارع الإسباني ينفجر

ولم تبقِ أزمة سبتة تداعياتها داخل حدود المدينة، إذ سرعان ما انتقلت إلى الشارع الإسباني، مع خروج مظاهرات في أكثر من 200 موقع بأنحاء البلاد، بدعم ومشاركة قوى سياسية معارضة لحكومة سانشيز.

وفي العاصمة مدريد، تراوحت تقديرات أعداد المشاركين بين 50 ألفاً و150 ألف متظاهر، وسط إجراءات أمنية مشددة.

وتدخلت الشرطة عندما حاولت مجموعات من المحتجين الاقتراب من مبنى البرلمان، واستخدمت الغاز المسيل للدموع لتفريق المتظاهرين ومنع تطور المواجهات.

كما امتدت الاحتجاجات إلى جنوب البلاد، وشهدت إشبيلية ومالاغا وغرناطة مظاهرات حاشدة شارك فيها عشرات الآلاف، وسط شعارات تنتقد سياسة الحكومة في ملف الهجرة وتطالب بتشديد الرقابة على الحدود.

وفي المقابل، شهدت مناطق أخرى مظاهرات مضادة حذرت من استغلال الأزمة لإشعال خطاب الكراهية والعنصرية، وطالبت الحكومة والمجتمع الإسباني بالحفاظ على المعايير الإنسانية وضمان حقوق المهاجرين.

سانشيز يلمّح إلى «بصمات إسرائيلية»

لكن المفاجأة السياسية الأبرز جاءت مع إدخال رئيس الوزراء بيدرو سانشيز العامل الخارجي على خط الأزمة.

فقد أشار سانشيز إلى وجود شبكات مرتبطة بإسرائيل، إلى جانب روسيا، ساهمت في نشر وتضخيم معلومات مضللة عبر وسائل التواصل الاجتماعي حول سياسة الهجرة الإسبانية، معتبراً أن تلك الحملات لعبت دوراً في تأجيج الوضع وتشجيع تدفق المهاجرين باتجاه سبتة.

وربط رئيس الوزراء الإسباني هذه التحركات بالمواقف السياسية التي تتبناها حكومته على الساحة الدولية، وفي مقدمتها موقف مدريد شديد الانتقاد لإسرائيل بسبب حربها على قطاع غزة.

وكان سانشيز قد استخدم توصيف «الإبادة الجماعية» في حديثه عن الحرب الإسرائيلية على غزة، في موقف وضع حكومته في مواجهة سياسية ودبلوماسية حادة مع إسرائيل.

ومن هنا برز السؤال الأكثر إثارة في الأزمة: هل تحولت سبتة إلى إحدى ساحات الضغط على مدريد رداً على موقفها من إسرائيل؟

لا توجد، حتى الآن، أدلة معلنة تسمح بالجزم بأن الحكومة الإسرائيلية خططت لموجة الهجرة أو وقفت مباشرة وراء تدفق عشرات الآلاف إلى سبتة. كما أن تصريحات سانشيز نفسها لم تصل إلى حد توجيه هذا الاتهام المباشر.

لكن حديثه عن شبكات مرتبطة بإسرائيل وحملات تضليل ساهمت في تأجيج الأزمة يضيف بعداً سياسياً جديداً إلى القضية، ويفتح الباب أمام تحقيقات وتساؤلات حول الجهات التي ربما استفادت من الفوضى أو عملت على تضخيمها.

لماذا إسرائيل؟

وتأتي تصريحات سانشيز في ظل واحدة من أكثر مراحل العلاقات الإسبانية الإسرائيلية توتراً، بعدما تحولت مدريد إلى أحد أبرز الأصوات الأوروبية المنتقدة للعمليات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة.

واتخذت حكومة سانشيز سلسلة مواقف سياسية ودبلوماسية حادة تجاه إسرائيل، فيما ردت تل أبيب مراراً بانتقادات شديدة للمواقف الإسبانية.

لذلك اكتسبت الإشارة إلى نشاط شبكات مرتبطة بإسرائيل حساسية استثنائية، خصوصاً مع طرح فرضية أن حملات التضليل ربما استهدفت الضغط على الحكومة الإسبانية أو إرباكها داخلياً بسبب مواقفها الخارجية.

إلا أن التمييز يبقى ضرورياً بين وجود نشاط تضليلي أو محاولة لاستغلال الأزمة وبين إثبات أن دولة ما صنعت الأزمة أو نظمت تدفق المهاجرين، وهو أمر لم تقدَّم أدلة علنية تثبته حتى الآن.

المعارضة تحاصر سانشيز

وفي الوقت الذي يواجه فيه سانشيز تداعيات الأزمة خارجياً، تتزايد الضغوط عليه في الداخل.

وتتهم أحزاب المعارضة الحكومة بالفشل في حماية الحدود والاستعداد لموجة الهجرة وإدارة التداعيات الأمنية والإنسانية الناتجة عنها، بينما ارتفعت أصوات سياسية تطالب باستقالة رئيس الوزراء وتحمله المسؤولية عن وصول الأزمة إلى هذا المستوى.

وأصبحت مشاهد المهاجرين في سبتة والاحتجاجات في مدريد ومدن أخرى مادة رئيسية في المواجهة السياسية بين الحكومة وخصومها، ما يضع سانشيز أمام واحد من أصعب الاختبارات الداخلية التي واجهتها حكومته.

309 ملايين يورو لاحتواء الانفجار

وفي محاولة لاحتواء الأزمة وتخفيف الضغط على المدينة، أعلنت الحكومة الإسبانية تخصيص 309 ملايين يورو لمساعدة سبتة وتعزيز قدرتها على مواجهة التداعيات الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية الناتجة عن التدفق الكبير للمهاجرين.

كما تحركت مدريد للحصول على دعم أوروبي إضافي لإدارة الأزمة وتعزيز حماية الحدود، في وقت تتزايد فيه المخاوف من استمرار تدفقات جديدة.

من أزمة مهاجرين إلى معركة تتجاوز الحدود

ما بدأ بوصول عشرات الآلاف من المهاجرين إلى مدينة صغيرة على الساحل الإفريقي تحول خلال فترة قصيرة إلى أزمة تهز الداخل الإسباني.

عشرات الآلاف في الشوارع، ومعارضة تصعّد هجومها على الحكومة، ومظاهرات مضادة تحذر من العنصرية، وسانشيز يواجه أسئلة صعبة حول كيفية وصول الأزمة إلى هذا الحجم.

أما دخول العامل الإسرائيلي على خط القضية، فقد نقل الأزمة إلى مستوى مختلف تماماً.

ففي ظل التوتر غير المسبوق بين مدريد وتل أبيب بسبب غزة، بات السؤال المطروح داخل المشهد السياسي والإعلامي الإسباني يتجاوز كيفية عبور عشرات الآلاف إلى سبتة، ليصل إلى سؤال أكثر حساسية:

من أشعل أزمة سبتة، ومن حاول استغلالها لضرب حكومة سانشيز؟

وحتى ظهور نتائج التحقيقات والأدلة التي يمكن أن تكشف حقيقة ما جرى، ستظل فرضية وجود تدخل خارجي جزءاً من الجدل، بينما تواجه إسبانيا أزمة لم تعد تتعلق بالهجرة وحدها، بل أصبحت اختباراً للأمن والسياسة والعلاقات الدولية في آن واحد.

كاتب

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى