
الصحفي – محمد رائد كعكة
سيكون من السهل نسبياً إعادة بناء سوريا.
قد تبدو هذه العبارة مستفزة أمام مدن مدمرة، واقتصاد منهك، وبنية تحتية متآكلة، وملايين السوريين الذين فقدوا بيوتهم وأعمالهم ومدخراتهم. لكن إعادة بناء الطرق والجسور والمطارات والمصانع والمساكن، مهما بلغت كلفتها، تبقى في النهاية مسألة مال ووقت وهندسة.
المعضلة الأصعب هي إعادة بناء الإنسان.
فسوريا التي خرجت من حقبة آل الأسد لا تحمل خراب الحرب وحده، بل تحمل آثار خمسة وأربعين عاماً من حكم لم يكتفِ بإدارة الدولة بطريقة سيئة، وإنما أعاد، بصورة مباشرة وغير مباشرة، تشكيل علاقة السوري بالسلطة والقانون والمجتمع وحتى بالمواطن الآخر.
ولهذا فإن أخطر وهم يمكن أن تقع فيه سوريا الجديدة هو الاعتقاد بأن سقوط النظام يعني سقوط الثقافة التي أنتجها.
النظام يمكن أن يسقط في أيام.
أما آثاره، فقد تحتاج إلى أجيال.
ما تركه الأسد فينا
الاستبداد لا يعيش في القصور والأجهزة الأمنية وحدها. بعد عقود، يبدأ بالتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية.
حين يصبح القانون أداة بيد السلطة بدلاً من أن يكون مرجعاً فوقها، يتعلم المواطن البحث عن طريق للالتفاف عليه.
وحين تصبح الواسطة أسرع من المؤسسة، يصبح البحث عن «معرفة» داخل الدائرة الحكومية أكثر عقلانية من انتظار حق قد لا يأتي.
وحين يكون الولاء طريقاً للترقية، تتراجع قيمة الكفاءة.
وحين يعاقَب من يقول الحقيقة ويكافأ من يردد ما يريد المسؤول سماعه، يتحول النفاق من عيب أخلاقي إلى مهارة للبقاء.
وحين تُدار الدولة لعقود بمنطق الخوف، لا ينبغي أن نستغرب أن تصبح الثقة عملة نادرة بين الناس.
هذه ليست صفات وراثية في السوريين، ولا يجوز تحويل نقد مرحلة تاريخية إلى إدانة لشعب كامل. إنها، في جانب مهم منها، استجابات أنتجتها بيئة سياسية واجتماعية استمرت طويلاً.
المشكلة أن الأنظمة قد تزول، بينما تبقى السلوكيات التي صنعتها.
وهنا تبدأ المعركة الأصعب.
نحتاج إلى 39 عاماً
إذا أردنا سوريا مختلفة فعلاً، فعلينا أن نتوقف عن التفكير بدورات الحكومات ونبدأ بالتفكير بدورات الأجيال.
ولنضع أمامنا رقماً واضحاً: 39 عاماً.
ثلاثة أجيال تربوية، نفترض لكل منها ثلاثة عشر عاماً.
ليس هذا رقماً علمياً سحرياً، ولن يستيقظ السوريون في السنة التاسعة والثلاثين ليكتشفوا أن أمراض المجتمع اختفت. لكنه أفق زمني لمشروع وطني يقول بوضوح إن ما تراكم خلال عقود لن تمحوه انتخابات واحدة، ولا دستور جديد، ولا حكومة كفاءات، ولا مليارات إعادة الإعمار.
الجيل الأول يجب أن يتعلم قواعد لم يعشها آباؤه بصورة طبيعية: أن القانون لا يحتاج إلى واسطة، وأن الوظيفة العامة ليست ملكاً للموظف، وأن المختلف ليس عدواً، وأن الدولة ليست الرئيس، وأن انتقاد المسؤول ليس خيانة للوطن.
الجيل الثاني يجب ألا يتعلم هذه الأشياء باعتبارها ثورة على الماضي، بل باعتبارها الحياة الطبيعية.
أما الجيل الثالث، فيجب أن يصل إلى مرحلة يصبح فيها السؤال عن الطائفة أو الواسطة أو «من تعرف؟» غريباً بالقدر نفسه الذي تبدو فيه اليوم فكرة الوقوف في طابور واحترام الدور طبيعية في مجتمعات أخرى.
عندها فقط يمكن القول إن سوريا لم تغير نظاماً فحسب، بل غيرت ثقافة سياسية واجتماعية كاملة.
قبل أن نربي ثلاثة أجيال، علينا أن نربي المربين
وهنا توجد مفارقة لا يمكن الهرب منها.
من سيصنع هذه الأجيال؟
المعلم الذي لا يكفي راتبه لإطعام أسرته؟
المعلم الذي يضطر بعد انتهاء دوامه إلى البحث عن عمل آخر كي يعيش؟
المعلم الذي فقد مكانته الاجتماعية، ثم نطلب منه أن يصنع لنا أطباء ومهندسين وقضاة ووزراء ومواطنين صالحين؟
لا يمكن بناء سوريا الجديدة بمعلمين مسحوقين اقتصادياً.
ولهذا فإن أول استثمار استراتيجي للدولة السورية الجديدة يجب ألا يكون في الإسمنت، بل في المعلم.
قبل الحديث عن تغيير المناهج، يجب تغيير حياة من سيُدرّس هذه المناهج.
يجب أن يصبح دخل المعلم كافياً لحياة كريمة، وأن تكون مهنة التعليم قادرة على جذب أصحاب الكفاءة، وأن يخضع المعلم لتأهيل حقيقي ومستمر في التربية وعلم النفس وطرق التفكير والتعليم الحديثة.
نحتاج إلى مشروع لإعداد عشرات الآلاف من المربين قبل أن نطلب منهم إعداد ملايين الأطفال.
لأنك تستطيع استيراد توربين لمحطة كهرباء، وشراء قطار، والتعاقد مع شركة لبناء مطار.
لكن لا يمكنك استيراد معلم يعرف مجتمعه وأطفاله ويشاركهم لغتهم وذاكرتهم ومستقبلهم.
ماذا يمكن أن نتعلم من سنغافورة؟
سنغافورة ليست نموذجاً مقدساً، وسوريا ليست جزيرة صغيرة في جنوب شرق آسيا، ومحاولة استنساخ تجارب الدول حرفياً واحدة من أكثر أفكار التنمية كسلاً.
لكن ثمة درساً مهماً في التجربة السنغافورية: بناء الدولة كان مرتبطاً ببناء الإنسان.
عند استقلال سنغافورة عام 1965، لم تكن الدولة الغنية والمستقرة التي نعرفها اليوم. كانت أمام مجتمع متعدد الأعراق واللغات، وتوترات اجتماعية، ومحدودية في الموارد، وحاجة هائلة إلى تطوير قدرات السكان.
وكان التعليم أحد أهم الأدوات التي استُخدمت لبناء الاقتصاد والدولة والهوية الوطنية.
لم يكن المطلوب فقط تعليم الطفل الرياضيات واللغة والعلوم. كان المطلوب أيضاً إنتاج مواطن قادر على العيش والعمل داخل دولة حديثة.
والأهم بالنسبة لسوريا أن الاستثمار في التعليم ترافق مع اهتمام كبير بإعداد المعلمين وتطويرهم، لأن أي إصلاح تعليمي لا يتجاوز جودة الشخص الذي يقف أمام الطلاب داخل الصف.
هذا هو الدرس الذي يستحق أن تستعيره دمشق من سنغافورة، لا ناطحات السحاب ولا الموانئ ولا الصور اللامعة للمدينة الحديثة:
الثروة التي سبقت كثيراً من ثروات سنغافورة كانت الإنسان.
المناهج وحدها لن تنقذنا
سيكون من المغري بعد سقوط نظام الأسد أن تُحذف صوره من الكتب، وأن تُزال نصوص تمجيد الحزب والقائد، ثم يُعلن أن المناهج أصبحت «وطنية».
ذلك ليس إصلاحاً للتعليم.
ذلك تنظيف للكتاب من آثار النظام السابق.
الإصلاح الحقيقي يبدأ حين ننتقل من تعليم الطفل ماذا يفكر إلى تعليمه كيف يفكر.
نريد طالباً يستطيع أن يسأل معلمه: لماذا؟
وأن يناقشه.
وأن يبحث عن الدليل.
وأن يختلف معه من دون خوف.
نريد مدرسة لا تنتج مواطناً ينتظر التعليمات من الأعلى، بل إنساناً يمتلك المبادرة والمسؤولية والقدرة على الاختيار.
نحتاج إلى تعليم الطفل أن الاعتراف بالخطأ قوة، وأن النقد ليس إهانة، وأن المنصب مسؤولية لا وجاهة، وأن المال العام ماله أيضاً، وأن رمي القمامة في الشارع ليس مشكلة البلدية وحدها، وأن دفع الرشوة والموافقة عليها وجهان للفعل نفسه.
هذه التفاصيل الصغيرة هي في الحقيقة البنية التحتية لأي دولة محترمة.
المدرسة وحدها أيضاً لن تنجح
لكن ثمة حقيقة أكثر قسوة ينبغي قولها.
لا يستطيع معلم أن يقنع طفلاً بأن القانون فوق الجميع، ثم يشاهد الطفل والده يحتاج إلى واسطة للحصول على حقه.
ولا يمكن لكتاب التربية الوطنية أن يتحدث عن النزاهة بينما يرى الطالب الفاسد يصبح أكثر ثراءً ونفوذاً.
ولا يمكن أن نعلّم الطفل أن الناس متساوون ثم يكتشف أن اسمه أو طائفته أو منطقته أو عائلته تحدد فرصته أمام مؤسسة عامة.
الأطفال أذكى من المناهج.
وما يرونه في الشارع أقوى مما يقرؤونه في الكتاب.
لذلك فإن مشروع إعادة تربية الأجيال الثلاثة ليس مشروع وزارة التربية وحدها.
إنه مشروع الدولة نفسها.
إذا أردنا جيلاً يحترم القانون، فعلينا بناء قضاء يستحق الاحترام.
وإذا أردنا جيلاً يرفض الفساد، فعلينا أن نجعل الفساد مكلفاً لا مربحاً.
وإذا أردنا جيلاً يؤمن بالكفاءة، فلا يجوز أن يرى المناصب توزع بالمحاصصة والقرابة والولاء.
وإذا أردنا طفلاً يؤمن بالمواطنة، فعلى الدولة أن تعامله منذ ولادته كمواطن، لا كعضو في طائفة أو قومية أو منطقة.
لا تستطيع الدولة أن تطلب من المدرسة صناعة المواطن الذي تفشل مؤسساتها في احترامه.
لا نريد جيلاً جديداً من المطيعين
ولعل الخطر الأكبر أن نكرر تجربة النظام السابق تحت عناوين جديدة.
فإعادة بناء الإنسان السوري لا تعني استبدال صورة بصورة، ولا نشيد بنشيد، ولا تلقيناً بتلقين.
ولا نريد أن نخرج من مدرسة كانت تقول للطفل من يحب ومن يكره، لننشئ مدرسة جديدة تقول له من يحب ومن يكره ولكن بأسماء مختلفة.
إذا فعلنا ذلك فلن نكون قد هدمنا الاستبداد.
سنكون فقط قد غيرنا صاحبه.
الهدف ليس صناعة ثلاثة أجيال تؤمن بالرواية السياسية للدولة الجديدة.
الهدف صناعة ثلاثة أجيال لا تحتاج الدولة إلى أن تختار لها ما تؤمن به.
أجيال تستطيع التفكير والمساءلة والاختلاف، وتعرف حقوقها وواجباتها، ولا ترى في المسؤول أباً ولا قائداً ملهماً، بل موظفاً عاماً يمكن أن يصيب ويمكن أن يخطئ ويمكن أن يُحاسب.
وهذه ربما أصعب قطيعة مع إرث الأسد.
مشروع سوريا الحقيقي
ستأتي إلى سوريا شركات تعرض بناء الأبراج والطرق والمطارات ومحطات الكهرباء.
وستأتي مؤسسات مالية تتحدث عن القروض والاستثمارات والنمو.
وسنسمع أرقاماً بمليارات الدولارات عن تكلفة إعادة الإعمار.
كل ذلك مهم.
لكن المشروع الأكثر أهمية لن يظهر في صور الأقمار الصناعية، ولن تستطيع شركة هندسية أن تعرض نسبة إنجازه كل ستة أشهر.
إنه الطفل الذي يدخل الصف الأول اليوم.
هذا الطفل يجب أن يكون نقطة الصفر في مشروع سوريا الجديدة.
نضع أفضل معلم أمامه، ونمنحه مدرسة محترمة، ونقدم له تعليماً يجعله يفكر لا يردد، ثم نبني حوله دولة تثبت له كل يوم أن ما تعلمه في المدرسة ليس كذبة جميلة.
بعد ثلاثة عشر عاماً سيكون شاباً.
وبعد ستة وعشرين عاماً سيكون هو نفسه أباً أو أماً أو معلماً أو موظفاً أو صاحب عمل أو مسؤولاً.
وبعد تسعة وثلاثين عاماً ستكون سوريا أمام الجيل الثالث من هذا المشروع.
عندها لن يكون السؤال: هل انتهى نظام الأسد؟
سيكون السؤال الأهم:
هل انتهى الأسد الذي تركه النظام في طريقة تفكيرنا وسلوكنا وعلاقتنا بالدولة وببعضنا البعض؟
هذه هي إعادة الإعمار التي لن يمولها مؤتمر مانحين.
ولا يوجد مقاول يستطيع تنفيذها.
ولا يمكن افتتاحها بقص شريط أحمر أمام الكاميرات.
إنها أبطأ وأصعب وأطول عملية إعادة إعمار ستخوضها سوريا.
لكن إذا نجحت، فكل شيء آخر يمكن بناؤه.
وإذا فشلت، فقد نبني مدناً جديدة فوق مجتمع يعيد إنتاج أمراضه القديمة.
سوريا لا تحتاج فقط إلى أربعين عاماً من إعادة الإعمار.
إنها تحتاج إلى ثلاثة أجيال تتعلم كيف تعيش من دون أسد، ومن دون أن تبحث عن أسد جديد.




