حين تهدد إيران أوروبا: الصواريخ ليست الخطر الوحيد

الصحفي محمد رائد كعكة

لم تعد سياسة التهديد الإيرانية محصورة في الخليج أو ساحات النفوذ التقليدية لطهران. فالمعلومات التي تتحدث عن دراسة إيران خيارات لاستهداف مواقع في جنوب شرق أوروبا، إذا تصاعدت المواجهة العسكرية مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، تكشف اتجاهاً أكثر خطورة: توسيع دائرة الصراع ومحاولة نقل كلفته إلى دول بعيدة عن مركز المواجهة.

صحيح أن الحديث عن بلغاريا وقبرص لا يعني أن قراراً إيرانياً بالهجوم قد اتُخذ بالفعل، إذ يستند إلى تقييمات ومعلومات نقلتها مصادر مطلعة. لكن مجرد إدراج أراضٍ أوروبية ضمن حسابات الرد الإيراني المحتمل ينبغي ألا يُعامل باعتباره تفصيلاً عابراً.

فإذا كانت بلغاريا مطروحة بسبب السماح للطائرات الأميركية باستخدام قاعدة «بزمر» للتزود بالوقود، فإن الرسالة الإيرانية تبدو واضحة: الدول التي تقدم تسهيلات لواشنطن قد تجد نفسها ضمن دائرة الاستهداف. وهذا يعني عملياً محاولة فرض ثمن أمني على دول أخرى بسبب خياراتها وتحالفاتها.

لكن الصواريخ ليست وحدها ما ينبغي أن يقلق الأوروبيين. فالتصعيد في الخليج يضرب أوروبا أيضاً عبر الاقتصاد والطاقة. اضطراب الإمدادات وتهديد الملاحة في مضيق هرمز يرفعان أسعار النفط والمشتقات النفطية، ولا سيما الديزل، لتنتقل الكلفة سريعاً إلى النقل والصناعة وأسعار السلع.

وهكذا يمكن للمواطن الأوروبي أن يدفع ثمن المواجهة الإيرانية حتى من دون سقوط صاروخ واحد على أرض أوروبا. فالتهديد المستمر لشرايين الطاقة العالمية يعني وقوداً أغلى، ونقلاً أكثر كلفة، وضغوطاً تضخمية تصل في النهاية إلى الأسر والشركات الأوروبية.

والأخطر أن التفكير الإيراني، وفق المعلومات المنشورة، يشمل أيضاً احتمال استهداف كابلات الألياف الضوئية تحت البحر في مضيق هرمز. وإذا صحت هذه التقديرات، فإن طهران لا تلوح فقط باستخدام الطاقة والملاحة أوراق ضغط، بل ببنية تحتية حيوية ترتبط بحركة البيانات والاتصالات الدولية.

في المقابل، تتجه واشنطن إلى تشديد المواجهة الاقتصادية. فقد أعلن ترامب عزمه فرض ضغوط اقتصادية شديدة على إيران، وهدد بعواقب على الدول والجهات التي تواصل دعم طهران أو التعامل معها في القطاعات المستهدفة، في محاولة لتجفيف مصادر تمويلها وتقليص قدرتها على الالتفاف على العقوبات.

وهنا تبدو إيران أمام معضلة من صنع سياستها أيضاً. ففي اللحظة التي تسعى فيها واشنطن إلى زيادة عزلتها الاقتصادية، تختار طهران التلويح بتوسيع دائرة الدول التي يمكن أن تستهدفها. وكل دولة تشعر بأن منشآتها أو تجارتها أو إمدادات الطاقة لديها أصبحت مهددة قد تجد أسباباً إضافية للانضمام إلى سياسة الضغط على إيران.

ولا يعني ذلك إعفاء واشنطن من مسؤولية قراراتها العسكرية والاقتصادية، فالعقوبات والتصعيد الأميركيان يحملان بدورهما كلفة على الاقتصاد العالمي. لكن الخلاف مع الولايات المتحدة لا يمنح إيران حق تحويل دول أوروبية أو منشآت مدنية أو طرق التجارة الدولية إلى أوراق في صراعها مع ترامب.

لهذا يجب أن تكون الرسالة الأوروبية حازمة: بلغاريا ليست ساحة إيرانية، وقبرص ليست ورقة تفاوض، ومضيق هرمز ليس أداة ابتزاز.

وإذا كانت طهران تعتقد أن توسيع خريطة التهديد سيجعل الآخرين أكثر خوفاً من مواجهتها، فقد تحقق النتيجة المعاكسة. فكلما اتسعت قائمة الدول المهددة، وارتفعت الفاتورة التي يدفعها المواطنون خارج إيران، أصبح بناء جبهة دولية لعزلها أكثر سهولة.

فالسؤال بالنسبة لأوروبا لم يعد فقط ما إذا كانت الصواريخ الإيرانية تستطيع الوصول إليها، بل كم من الضرر الاقتصادي والأمني يجب أن تتحمله قبل أن تدرك أن التصعيد الإيراني لم يعد مشكلة شرق أوسطية بعيدة، بل مشكلة أوروبية أيضاً.

كاتب

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى