صراع الديكة في الجاليات: بعد سقوط الأسد ، لماذا يعجز السوريون عن العمل الجماعي؟

الصحفي خالد فيصل الطويل

سقط نظام الأسد في دمشق، لكن المفارقة المبكية أن (الديكتاتور الصغير) القابع في عقولنا لم يسقط بعد!

لسنوات عديدة، كانت الحجة الجاهزة التي نعلّق عليها كل فشلنا التنظيمي في المغتربات هي وجود الاستبداد في الداخل.
اليوم، تلاشت تلك الحجة، ووقف السوريون وجهًا لوجه أمام مرآة الحقيقة العارية ليواجهوا سؤال المرحلة الصعب: هل المشكلة كانت في النظام وحده، أم أننا نحن-أبناء الضحية- لا نعرف كيف نعمل معًا كفريق واحد؟

إن تأمل كواليس المحاولات الحالية لتأسيس “جاليات سورية” في المغتربات يكشف أننا انتقلنا من معركة التحرير السياسي إلى معركة أشد شراسة هي التحرر من عيوبنا الذاتية.

إن تأمل المشهد الحالي للمبادرات والمحاولات التي تسعى لتأسيس “جاليات سورية” منظمة في دول الاغتراب، يكشف عن أزمة فكرية، سلوكية، وتكنولوجية حادة.

المشاكل التي تضرب هذه الفرق ليست وليدة الصدمة الحالية، بل هي إفراز طبيعي لتركات عقود من الاستبداد، ممزوجة بفوضى (العالم الافتراضي) الذي خلق نخباً مشوهة تريد قيادة الواقع بعقلية (اللايك والشير).

وإذا أردنا تشريح الآفات التي تطحن فرق العمل السورية المغتربة اليوم، يمكننا رصدها في النقاط التالية:

 (1)نجوم التيكتوك والفيسبوك؛الجالية ليست صفحة شخصية:

برزت في الآونة الأخيرة ظاهرة شديدة الخطورة في كواليس التأسيس؛ حيث يتصدر المشهد بعض “التيكتوكرية” أو “الفسابكة” (صنّاع المحتوى) الذين يمتلكون عدداً كبيراً من المتابعين—الذين جُمع معظمهم بالصراخ أو استجداء العواطف أو إثارة الجدل.

هؤلاء الأشخاص أصيبوا بنرجسية رقمية جعلتهم يعتقدون أنهم فوق جميع السوريين، بما فيهم أصحاب الكفاءات الحقيقية والأكاديميين وأصحاب الخبرة.

يتعامل (نجم السوشيال ميديا) مع مشروع الجالية وكأنه (بث مباشر) أو منشور شخصي؛ يريد أن يُدار العمل كله لإرضاء خوارزميات الشهرة الخاصة به.

وعندما يصطدم بآلية العمل المؤسساتي الصارمة، أو يطالب بتقديم خطط حقيقية بدلاً من الشعارات، يمارس الابتزاز الرقمي عبر تجييش متابعيه المخدوعين ضد من يختلف معهم في مشروع بناء الجالية، معتبراً أن (عدد المشاهدات) هو البديل الشرعي للخبرة والكفاءة الإدارية.

(2)    وهم (الشرعية الثورية) واحتكار التمثيل:

معضلة أخرى بنيوية وفكرية؛ حيث يعاني جزء من المؤسسين من عدم فهم حقيقي لتعريف (الجالية) بصفتها منظمة اجتماعية، خدمية، وثقافية تسعى لتمثيل كل حاملي السوريين وتسهيل شؤونهم في المغترب.

لكن البعض يتعامل معها وكأنها (حكومة في المنفى)، مُصرّين على أن من يتصدر العمل يجب أن يكون حتماً من (أبناء الثورة) الذين يملكون صكوك الغفران الوطنية. هذا الفكر الإقصائي يرى أن أي سوري آخر (سواء كان صامتاً، أو رمادياً، أو لم ينخرط في العمل السياسي سابقاً) هو شخص “مشكوك في أهليته” ولا يحق له أن يكون شريكاً في إدارة شؤون الجالية، مما يحرم الكيان الناشئ من كفاءات سورية لمجرد أنها لم تطابق مقاييسهم السياسية.

(3)عقلية (التصفيق الأعمى) والخوف من النقد:

في المقلب الآخر، وبسبب الإرث المخابراتي الطويل، يعتقد طيف واسع من المغتربين أن إدارة الجالية يجب أن تكون نسخة كربونية من (مؤسسات الدولة) القديمة. بالنسبة لهؤلاء، أي شخص ينضم للإدارة يجب أن يُعلن الولاء المطلق والكامل للسلطة الجديدة، ويُعتبر الانتقاد، أو الاعتراض على أي قرار، ضرباً من الخيانة ومحاولة لشق الصف. هذا الفريق لا يستوعب أن الجالية مؤسسة مجتمع مدني مستقلة، دورها الرقابة والتوجيه وخدمة الناس، وليس التسبيح بحمد الحكام وتبرير أخطائهم.

(4) عقدة الزعيم الأوحد، وعقلية الفزعة:

تجد في اللجنة التأسيسية الواحدة، المكونة من عشرة أشخاص مثلاً ، عشرة رؤساء! بمجرد أن يختلف عضو مع بقية الفريق في جزئية بسيطة، يتحول الخلاف إلى معركة كرامة شخصية ينتهي بها المطاف بالانشقاق. ويسير العمل بعقلية الفزعة والعلاقات الشخصية بدلاً من اللوائح الداخلية والشفافية الإدارية والمالية، والآليات الديمقراطية للتصويت. وعندما تغيب القوانين الواضحة، تحل مكانها الكواليس والهمس، مما يقتل حماس الكفاءات الحقيقية ويدفعها للانسحاب بصمت.

حقيقة مؤلمة:

إن سقوط النظام الديكتاتوري لم ينزع تلقائياً (الديكتاتور الصغير) القابع في عقولنا.

الاستبداد ليس مجرد رئيس ومفرزة أمنية؛ الاستبداد هو سلوك يومي يظهر عندما نرفض الآخر، وعندما نطالب بالولاء المطلق، وعندما نظن أن شعبية التيكتوك الافتراضية تمنحنا الحق في قيادة مصائر الناس في الواقع.

كيف نبدأ فعليًا؟

الخطوة الأولى للحل هي تحرير مفهوم (الجالية) من التسييس المفرط ومن سطوة التفاهة الرقمية.

إن تأسيس جاليات سورية حقيقية ومؤثرة يتطلب معايير واضحة:

أولاً: فهم أن الجالية هي مظلة اجتماعية تتسع لجميع السوريين، وقيمتها في تنوعها وليست في لونها السياسي الواحد.

ثانيًا: سحب البساط من تحت (نجوم العالم الافتراضي)؛ وإخضاع الجميع لمعيار واحد: ماذا تملك من شهادة، خبرة، وقدرة على العطاء على أرض الواقع؟ (فالجاليات تُبنى بالعقول والمؤسسات، لا باللايكات).

ثالثاً: مأسسة العمل فورًا بفصل العمل الخدمي-الاجتماعي عن الولاءات السياسية العمياء، والإيمان بأن النقد والاعتراض هما وقود التطوير.

إن العالم ينظر إلينا اليوم؛ وسيكون من المخزي جداً أن نثبت للعالم (ولأنفسنا) أننا كنا بارعين فقط في المعارضة والهدم، وعاجزون عن البناء والاتفاق على طاولة واحدة.

نجاحنا في تشكيل جاليات حضارية، متماسكة، وديمقراطية في مغترباتنا هو الاختبار الحقيقي والأول لقدرتنا على بناء سوريا المستقبل. فهل ننجح في اختبار العمل الجماعي، أم سنظل أسرى العقليات التي دمرت بلادنا؟

كاتب

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى