كيف وُلد الاتفاق الأمريكي – الإيراني؟ شهر من الدبلوماسية على حافة الحرب

الدكتور سعد المسعودي

لم يكن الاتفاق الأخير بين الولايات المتحدة وإيران وليد جلسة تفاوض واحدة أو نتيجة تفاهم سريع بين طرفين متخاصمين، بل جاء ثمرة أسابيع من الجهود الدبلوماسية المعقدة التي قادتها قطر وباكستان وسط أجواء مشحونة بالتوتر العسكري وانعدام الثقة، وفي ظل تهديد دائم بانهيار المسار التفاوضي والعودة إلى المواجهة.

فخلال شهر كامل، تنقل الوسطاء بين واشنطن وطهران في محاولة لصياغة تفاهم ينهي واحدة من أخطر الأزمات التي شهدتها المنطقة في السنوات الأخيرة، ويضع أسسًا جديدة للعلاقة بين خصمين يفصل بينهما نحو نصف قرن من العداء السياسي والأمني.

مفاوضات تحت القصف

في إحدى أكثر اللحظات حساسية، اعتقد الوسطاء القطريون أنهم باتوا على بعد خطوات من تحقيق اختراق تاريخي. فقد نجحوا بعد أسابيع من الاتصالات المكثفة في بلورة اتفاق يتضمن تمديد وقف إطلاق النار، وإعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية، ووضع إطار لاستئناف المحادثات النووية.

لكن التفاؤل لم يدم طويلًا.

فبينما كان الوفد القطري يستعد لمغادرة طهران والعودة إلى الدوحة، شنت مقاتلات أمريكية غارات على أهداف داخل إيران، أعقبها رد إيراني عبر إطلاق صواريخ وطائرات مسيرة باتجاه قواعد أمريكية في المنطقة. وخلال ساعات قليلة بدا أن كل ما تحقق على طاولة التفاوض قد ينهار تحت وقع التصعيد العسكري.

وكان هذا المشهد يعكس واقع المفاوضات طوال الأسابيع الماضية؛ فكلما اقترب الوسطاء من تحقيق تقدم ملموس، كانت ضربة عسكرية أو تهديد سياسي أو تطور أمني جديد يعيد الأمور إلى نقطة الصفر.

معضلة الثقة

مثلت الثقة العقبة الأكبر أمام التوصل إلى الاتفاق.

فمن الجانب الإيراني، كان هناك شك عميق في نوايا الإدارة الأمريكية، خاصة بعد تعرض إيران لضربات أمريكية وإسرائيلية خلال فترات تفاوض سابقة. ورأت طهران أن التغير المستمر في المواقف الأمريكية يجعل من الصعب الاعتماد على أي تعهدات طويلة الأمد.

في المقابل، كانت واشنطن تسعى للحصول على نتائج سريعة، مدفوعة برغبة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في إبرام اتفاق يمكن تسويقه سياسيًا باعتباره إنجازًا دبلوماسيًا وأمنيًا.

هذا التباين في أسلوب التفاوض بين الطرفين خلق تحديًا إضافيًا للوسطاء؛ فبينما أرادت واشنطن حسم الملفات خلال أيام، أصرت إيران على عملية تدريجية تسمح لها بالحفاظ على شرعية أي اتفاق أمام مؤسساتها السياسية والرأي العام الداخلي.

قطر تدخل بقوة

رغم أن باكستان كانت الواجهة الرسمية لعملية الوساطة في بداياتها، فإن الدور القطري برز بشكل متزايد مع تعقد المفاوضات.

فقد دفعت الدوحة بفريق من الوسطاء المخضرمين إلى طهران، مستفيدة من علاقاتها المتوازنة مع جميع الأطراف وخبرتها الطويلة في إدارة قنوات الاتصال بين الولايات المتحدة وخصومها الإقليميين.

وتحولت قطر تدريجيًا إلى الجسر الرئيسي بين واشنطن وطهران، خصوصًا بعد تصاعد المخاوف من انهيار وقف إطلاق النار واستئناف الحرب بشكل واسع.

القضايا الخلافية

تركزت المفاوضات حول ثلاثة ملفات رئيسية:

أولها ضمانات إنهاء الحرب وعدم العودة إلى التصعيد العسكري.

أما الملف الثاني فتمثل في البرنامج النووي الإيراني، حيث أصرت واشنطن على معالجة قضية مخزون اليورانيوم عالي التخصيب الذي تمتلكه إيران، فيما رفضت طهران تقديم تنازلات مباشرة دون الحصول على مكاسب سياسية واقتصادية واضحة.

أما الملف الثالث فكان مضيق هرمز، الذي اكتسب أهمية استثنائية بعد أن أدى إغلاقه فعليًا خلال الأزمة إلى اضطرابات حادة في أسواق الطاقة العالمية.

وشهدت هذه الملفات مفاوضات شاقة استمرت لساعات طويلة بين المسؤولين الإيرانيين والوسطاء، قبل التوصل إلى صيغ وسطية مهدت الطريق نحو الاتفاق.

تنازلات متبادلة

أثمرت الجهود الدبلوماسية في النهاية عن تفاهمات أساسية بين الطرفين.

فقد وافقت إيران على الدخول في مناقشات بشأن مستقبل مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب وإمكانية خفض مستوى التخصيب أو نقل جزء من المخزون ضمن ترتيبات لاحقة.

وفي المقابل، وافقت الولايات المتحدة على اعتماد آلية تدريجية لرفع العقوبات الاقتصادية، ترتبط بمستوى التقدم الذي تحققه المفاوضات نحو اتفاق نهائي وشامل.

كما تم الاتفاق على إعادة فتح مضيق هرمز وضمان حرية الملاحة خلال فترة تمديد وقف إطلاق النار.

أزمات كادت تطيح بالاتفاق

لم تكن المفاوضات تسير في خط مستقيم.

ففي أكثر من مناسبة هددت تطورات إقليمية بإفشال العملية برمتها، خصوصًا مع تصاعد التوتر بين إسرائيل وحزب الله في لبنان، وتبادل الضربات بين إسرائيل وإيران بعد هدنة أبريل.

كما أثارت تقارير عن احتمال تنفيذ ضربات إسرائيلية داخل إيران مخاوف كبيرة لدى الوسطاء، الذين سارعوا إلى التواصل مع واشنطن وحلفائها للحصول على ضمانات تحول دون إشعال مواجهة جديدة أثناء وجودهم في طهران.

وفي كل مرة كانت الدبلوماسية تنجح بصعوبة في احتواء التصعيد وإعادة الأطراف إلى طاولة المفاوضات.

اتفاق على حافة الهاوية

في نهاية المطاف، لم يكن الاتفاق الأمريكي – الإيراني مجرد تفاهم حول وقف إطلاق النار أو الملف النووي، بل كان اختبارًا لقدرة الدبلوماسية على الصمود أمام ضغوط الحرب.

فبعد أسابيع من المفاوضات السرية والاتصالات المكثفة والتهديدات المتبادلة، نجح الوسطاء في تقريب وجهات النظر بين خصمين لطالما بدت المصالحة بينهما مستحيلة.

ورغم أن الاتفاق لا يمثل نهاية الخلافات العميقة بين واشنطن وطهران، فإنه يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الحوار، ويمنح المنطقة فرصة نادرة لالتقاط الأنفاس بعد أشهر من التصعيد والتوتر.

ويبقى نجاح هذا المسار مرهونًا بقدرة الطرفين على ترجمة التفاهمات الأولية إلى اتفاقات دائمة، في منطقة لا تزال أي شرارة فيها قادرة على إعادة الجميع إلى مربع المواجهة.

كاتب

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى