استقالة الشرع ليست الحل، ومبايعته ليست خياراً.. فسوريا ليست غنيمة!!

الصحفي خالد فيصل الطويل 

في خضم التحولات العميقة التي تعيشها سوريا بعد الانتقال من حقبة حكم آل الأسد إلى مرحلة جديدة مليئة بالتحديات، يطفو على السطح بين الحين والآخر مطلب يدعو إلى استقالة الرئيس الحالي أحمد الشرع. 

ورغم ما قد يبدو في هذا الطرح من حماسة أو تعبير عن سخط مشروع، إلا أن التمعن فيه يكشف أنه مطلب غير واقعي، بل يفتقر إلى الحد الأدنى من المنطق السياسي.

أول ما يجب التوقف عنده هو أن الشرع، ببساطة، لم يُمنح الوقت الكافي ليُحاسب على ما أُنيط به من مهام. نحن أمام مرحلة انتقالية معقدة، تتطلب بناء مؤسسات، وإعادة تشكيل الدولة، وترميم مجتمع أنهكته سنوات طويلة من الصراع. في مثل هذه الظروف، لا يمكن القفز مباشرة إلى المطالبة بإسقاط الرجل قبل أن تتضح نتائج أدائه. البديل الأكثر عقلانية ليس المطالبة بالاستقالة، بل مراقبة الأداء، وكشف الأخطاء، والضغط لتصحيحها. وفي حال استمرار هذه الأخطاء، يمكن أن تكون معياراً موضوعياً للحكم عليه في نهاية المرحلة الانتقالية، خاصة إذا قرر الترشح في انتخابات يُفترض أن تكون حرة ونزيهة.

غير أن الإشكالية لا تتوقف هنا. فالمؤشرات الحالية توحي بأن الشرع يعمل بالفعل على تمهيد الطريق لترشيح نفسه مستقبلاً، مستفيداً من أدوات التأثير على العواطف والمشاعر، في مجتمع يعاني ضعفاً في الوعي السياسي وافتقاراً للأدوات التنظيمية. ويظهر ذلك بوضوح من خلال المماطلة في السماح للسوريين بتنظيم أنفسهم ضمن أحزاب سياسية حقيقية، مقابل ترك حالة من الغوغائية والفوضى غير المنظمة تهيمن على المشهد، وهو ما يصب في مصلحة من يجيد اللعب على هذا النوع من البيئات.

ومن زاوية أخرى، يبرز تناقض صارخ في خطاب بعض المدافعين عن الشرع. فهم يقولون إنه نجح في دمج الفصائل ضمن جيش وطني، لكنهم في الوقت نفسه يحذرون من أن استقالته ستؤدي إلى عودة هذه الفصائل إلى الاقتتال والفوضى. هذا التناقض يكشف حقيقة مهمة: ما جرى ليس دمجاً مؤسسياً حقيقياً، بل أقرب إلى استمالة لبعض قيادات وأمراء حرب، لا يزالون يحملون عقلية فصائلية، قبل الدمج وبعده، وقد لا يكونون مؤهلين للتفكير بمستوى وطني جامع يواكب متطلبات المرحلة.

وإذا تجاوزنا جدل الاستقالة، وطرحنا سؤالاً أكثر جوهرية: ماذا لو غاب الشرع فجأة لأي سبب، حتى لو كان الموت؟ هل نحن أمام منظومة حكم قادرة على الاستمرار، أم أمام نموذج حكم فردي ينتهي بانتهاء الشخص؟ هذا السؤال ليس ترفاً فكرياً، بل هو معيار حقيقي لنجاح أي تجربة سياسية. فإذا كان مصير “سوريا الجديدة” مرتبطاً ببقاء شخص واحد، فنحن لم نغادر فعلياً ذهنية الاستبداد، بل أعدنا إنتاجها بصيغة مختلفة.

بل إن القول بأن استقالة الشرع قد تؤدي إلى انهيار البلاد يعيدنا بشكل مقلق إلى الخطاب الذي كان يروّج له أنصار النظام السابق حول حتمية بقاء بشار الأسد، وأن غيابه يعني الفوضى والخراب. المفارقة هنا مؤلمة: حين نبرر بقاء أي حاكم بهذه الطريقة، فإننا، من حيث لا ندري، نتشبه بالمنطق الذي ثار عليه السوريون أساساً.

لا شك أن المرحلة الراهنة تحتاج إلى قيادة قوية، وربما يكون الشرع واحداً من الشخصيات القادرة على لعب هذا الدور. لكن تحويله إلى “القوي الأمين الوحيد” هو انتقاص من قدرات السوريين واستخفاف بإمكاناتهم. فالقوة في هذه المرحلة لا تنبع فقط من القدرات الشخصية أو التجربة السابقة، بل أيضاً من شبكة الدعم الإقليمي والدولي، ومن توازنات تفرضها مصالح الدول المعنية بالملف السوري. وبكلمات أخرى، أي سوري في موقع الشرع اليوم سيستند، بدرجة أو بأخرى، إلى هذه العوامل ذاتها.

لذلك، يمكن القول إن مطلب استقالة أحمد الشرع في هذا التوقيت ليس فقط غير منطقي، بل يقترب من العبث، ولا يتجاوز في كثير من الأحيان حدود “الترند” في وسائل التواصل الاجتماعي. لكن في المقابل، فإن الخطر الحقيقي لا يكمن في الدعوة إلى الاستقالة، بل في الاتجاه المعاكس تماماً: أي في تحويل الرجل إلى شخصية فوق النقد، أو في بدء عملية تنزيه وتأليه له وللفريق المحيط به.

هذا المسار الأخير هو الجريمة الحقيقية بحق المجتمع السوري، لأنه يفرغ فكرة الثورة من مضمونها، ويخون التضحيات التي قدمها السوريون، ويمنح خصومهم—سواء من بقايا النظام السابق أو من القوى الانفصالية ومن يدعمها—هدية مجانية.

بين عبث المطالبة بالاستقالة وخطر التأليه، يبقى الطريق الأكثر اتزاناً هو طريق المحاسبة الواعية: لا إسقاط متسرع، ولا تقديس أعمى، بل نقد مستمر، ومطالبة بالإصلاح، وبناء حقيقي لمؤسسات تضمن أن سوريا المستقبل لا تقوم على فرد، بل على منظومة عمل مؤسسي، فهل سيفعلها الشرع وفريقه دون تسلّط جهاز المخابرات العامة، ودون هيمنة من (الأمانة العامة للشؤون السياسية) وريثة اللجنة المركزية لحزب البعث البائد!!!

كاتب

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى