بدل حمل السلاح.. تشمير السواعد للإعمار : هل حان وقت “الخدمة الوطنية الإنتاجية” في سوريا؟

الصحفي خالد فيصل الطويل

لطالما كان “التجنيد الإجباري” في الذاكرة السورية مرادفاً لسنوات ضائعة من عمر الشباب، ومرحلة من القهر المؤسساتي الذي يستنزف الطاقات في خدمة منظومة لا تمثل تطلعات الشعب. لذا، لم يكن مفاجئاً أن يُعتبر إلغاء هذا الإلزام واحداً من أبرز “مكتسبات الثورة” وثمار التحرير؛ فأن يستعيد الشاب السوري عامين من ذروة عطائه، هو انتصار للحق في اختيار المسار المهني والشخصي بعيداً عن سطوة “الدفتر العسكري”.

بين “مكتسبات الشباب” وحسابات “المرحلة الانتقالية”

من الناحية السياسية، تبدو خطوة إلغاء التجنيد الإجباري “ضربة معلم” للحكومة الجديدة في المرحلة الانتقالية. فهي من جهة ترفع عبئاً ثقيلاً عن كاهل العائلات السورية، ومن جهة أخرى تضمن للحكومة ضبطاً أمنياً دقيقاً؛ إذ تمنع وصول السلاح إلى فئات قد تكون ما تزال تحمل ولاءات للنظام الساقط. فبدلاً من تدريب جيش عرمرم من “المجندين” الذين لا يمكن ضمان ولائهم الكامل، اختارت الدولة التوجه نحو “الاحتراف” عبر التطوع الاختياري لمن يؤمنون فعلياً بالتغيير.

معضلة “اللون الواحد” وغياب التنوع

لكن، ومع فتح باب التطوع، برزت مفارقة ملفتة؛ إذ نجد إقبالاً كبيراً من الشباب على الانخراط في الجيش والقوى الأمنية. هذا الإقبال محكوم بثلاثة مسارات:

1. غريزة الحماية: البحث عن كيان يوفر الأمان في ظل مرحلة انتقالية عنوانها القلق.

2. الاستقرار المادي: الرواتب المجزية نسبياً للقطاع العسكري مقارنة بالمهن الحرة البسيطة او الوظائف الحكومية العادية.

3. الدافع الوطني: الرغبة في حماية الانتصار وتعزيز بناء سوريا الجديدة.

ومع ذلك، تبرز عقبة كأداء؛ فبناءً على المعطيات، نجد أن هذا الإقبال محصور بشكل شبه مطلق في المكون السني العربي. إن استخدام الشعارات والرايات ذات الطابع الديني المحدود خلال التدريبات يعزز المخاوف لدى باقي المكونات السورية، ويخلق جداراً نفسياً يجعل السوري من الأطياف الأخرى يشعر بأن هذا الجيش “لا يشبهه”، وهو ما يهدد عقيدة “الجيش الوطني” ويحولها إلى “عقيدة فصائلية” بزي رسمي.

البديل الاستراتيجي: “الخدمة الوطنية الإنتاجية”

إذا كان التجنيد “العسكري” الإجباري قد ولى زمنه، فهل يعني ذلك إعفاء الشباب تماماً من ضريبة الدم والجهد للوطن؟ هنا نطرح فكرة بديلة تخدم مرحلة “إعادة الإعمار”.

لماذا لا نستبدل الخدمة الإلزامية العسكرية بـ “خدمة وطنية إنتاجية”؟

تكون هذه الخدمة لمدة قصيرة (ستة أشهر مثلاً)، لا يحمل فيها الشاب السلاح، بل يساهم بجهده أو تخصصه في مشاريع عامة، تنموية، وإعمارية تشرف عليها الدولة. 

في هذه الخدمة الاجتماعية يتقاضى من يؤديها راتباً بسيطاً يغطي نفقاته الشخصية الأساسية من ملبس ومأكل وأجور نقل ويعود لينام في منزله.

ويمكن للشباب المتواجدين خارج الوطن دفع بدل معقول هو عبارة عن مبلغ يعادل راتب عدد من أقرانهم الذين يؤدون الخدمة (ثلاثة مثلاً) .

هذا المقترح يحقق مكاسب كبيرة:

• وطنياً: يعزز الانتماء لجميع المكونات دون استثناء، حيث يلتقي السوريون من كل الطوائف والمناطق في “ورشة عمل” وطنية واحدة.

• اقتصادياً: يخفف العبء المادي عن الدولة عبر توفير قوى عاملة شابة تساهم في ترميم البنية التحتية المتهالكة.

• اجتماعياً: يدمج الشباب في مشاريع البناء بدلاً من التجييش العسكري، مما يرسخ ثقافة “البناء” فوق ثقافة “الحرب”.

خاتمة:

إن إلغاء التجنيد الإجباري خطوة نحو الحرية، لكنها يجب ألا تترك فراغاً في العلاقة بين المواطن الشاب وواجباته تجاه وطنه. إن سوريا الجديدة لا تُبنى فقط بجيش محترف من المتطوعين، بل بسواعد جميع أبنائها في ميادين الإعمار. إن التحول نحو “الخدمة الإنتاجية” هو الضمان ليكون الجيش للوطن، والبناء للجميع، والهوية سورية جامعة لا تفرقها الرايات الضيقة.

كاتب

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى