فاطمة الزهراء المنصوري: حين تصعد المرأة إلى القمة، تختنق آخر أعذار الذكورية

الكاتبة الصحفية : مريم بدران

هناك أفكار لا تموت لأنها صحيحة، بل لأنها تورث. تتغير المدن، تتبدل القوانين، تصعد ناطحات السحاب، تدخل التكنولوجيا إلى كل بيت، وتتسع الجامعات والأسواق والبرلمانات، بينما تبقى في زاوية ما من العقل فكرة قديمة جدًا: أن المرأة يمكن أن تكون كل شيء تقريبًا، شرط ألا تكون صاحبة القرار.
ولهذا فإن وصول امرأة إلى رئاسة حكومة في بلد عربي لا ينبغي أن يقرأ فقط باعتباره حدثًا سياسيًا. أحيانًا يكون صعود امرأة إلى قمة السلطة أشبه بوضع مرآة أمام مجتمع كامل فجأة تظهر فيها كل التناقضات التي كان من السهل إخفاؤها خلف العادات والشعارات والتفسيرات الجاهزة.

في 29 شتنبر 2026، عين الملك محمد السادس فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة وكلفها بتشكيل الحكومة الجديدة، استنادًا إلى الفصل 47 من الدستور، لتصبح أول امرأة في تاريخ المغرب تتولى رئاسة الحكومة ومنذ تلك اللحظة، لم يعد الجدل حولها سياسيًا فقط عاد بعض الخطاب القديم إلى السطح: المرأة، مكانها، صوتها، لباسها، شعرها، أهليتها، وحتى قدرتها على ممارسة طقوسها الدينية إلى جانب الملك. أي أن السؤال الذي يفترض أن يكون: ماذا ستفعل رئيسة الحكومة؟ تحول عند البعض إلى سؤال أقدم وأكثر بدائية: كيف يمكن لامرأة أن تكون هنا أصلًا؟

وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية: لم تُقصَ المرأة من التاريخ لأنها عاجزة عن العمل، بل لأن مجتمعات كثيرة قررت لقرون، أن العمل الذي تؤديه لا يمنحها حق القرار. حملت، وربت، وعلمت، وداوت، وعملت، ودفعت الضرائب، وتحملت أعباء الأسرة، وأسهمت في بناء المجتمع بل حملت ما لم يكن مفروضًا عليها أصلًا، ثم جاء من يريد عند لحظة الوصول إلى السلطة أن يذكرها فجأة بأنها “امرأة” كأن كل ما فعلته طوال الطريق كان أهلًا لها أن تخدم، لا أهلًا لها أن تقرر .

يا لها من مفارقة: يسمح لها المجتمع بأن تتحمل مسؤولية رجل، لكنه لا يسمح لها دائمًا بأن تمتلك سلطة الرجل ، وهذه العقلية ليست وليدة الأمس إنها بقايا طبقات متراكمة من تاريخ طويل كانت فيه المرأة تقاس بما يجب أن تكونه، لا بما تستطيع أن تصبحه. المغرب اليوم ليس هو مغرب الأمس مؤسسات تتغير، وقوانين تتطور، ونساء يقتحمن مساحات ظلت طويلًا محسوبة على الرجال لكن بعض العقليات لا تتقدم بالسرعة نفسها التي تتقدم بها الدولة. ولذلك، حين وصلت امرأة إلى رئاسة الحكومة لم يكن صعودها وحده هو الحدث بل كان ما كشفه هذا الصعود من مقاومة كامنة للمرأة حين تنتقل من موقع تنتظر منها فيه المسؤولية إلى موقع تملك فيه القرار.

وفي هذا السياق، يظهر لدى بعض التيارات ذات المرجعية الإخوانية المتشددة خطاب يعيد المرأة إلى القفص الذي رسم لها منذ زمن: مقبولة ما دامت في المطبخ، ومقبولة في التعليم “إذا سُمح لها”، ومرحبًا بها في الطب والتمريض والوظيفة ما دامت تؤدي الدور المطلوب منها لكن ما إن تنتقل من موقع من تخدم وتتحمل المسؤولية إلى موقع من تملك القرار، حتى تستدعى الأسطوانة القديمة من قاع الموروث: هل يجوز للمرأة أن تقود؟ وكأن المشكلة لم تكن يومًا في قدرتها على حمل المسؤولية، بل في الجرأة على منحها سلطة القرار وهنا لا يعود الأمر متعلقًا بالدين وحده، بل بطريقة استخدام بعض القراءات الدينية لتثبيت أدوار اجتماعية وسياسية محددة. ومن حق المؤمن أن يقرأ النص كما يراه، ومن حق الباحث أن يناقش التأويل، لكن ليس من حق أي خطاب أن يحول المرأة إلى مواطن من الدرجة الثانية ثم يطلب منها أن تقبل ذلك باعتباره قدرًا لا يناقش.والله لم يجعل كرامة الإنسان ولا أهليته رهينة بجنسه، بل كرم المرأة، وجعل التفاضل بالتقوى والعمل الصالح، لا بالذكورة والأنوثة، والأشد مفارقة أن بعض الخطابات السياسية تتسع للمرأة ما دامت داخل صفوفها وتخدم مشروعها، ثم تضيق بها حين تقف في الجهة المقابلة عندها لا تعود المشكلة في أهلية المرأة، بل في أنها اختارت موقعًا لا يخدم أصحاب الخطاب وهنا يتعرى التناقض .

أما فاطمة الزهراء المنصوري، فليست امرأة خرجت فجأة من الظل إلى قمة الدولة. ولدت في مراكش في 3 يناير 1976. حصلت على الإجازة في القانون الخاص من جامعة محمد الخامس بالرباط، ودبلوم الدراسات العليا في قانون عقود الأعمال من جامعة مونبلييه بفرنسا، وشهادة في القانون الأنغلوساكسوني في الولايات المتحدة. وهي مقيدة بهيئة المحامين بمراكش منذ 22 مارس 2005. دخلت المجال السياسي سنة 2007، وكانت من الأعضاء المؤسسين لحزب الأصالة والمعاصرة سنة 2008. وفي 2009 انتخبت رئيسة للمجلس الجماعي لمراكش، لتصبح أول امرأة تتولى رئاسة المجلس الجماعي للمدينة، ثم عادت إلى رئاسة المجلس سنة 2021. كما كانت نائبة برلمانية بين 2011 و2016، ثم بين 2016 و2021، وترأست المجلس الوطني لحزب الأصالة والمعاصرة، قبل أن تصبح منسقة للقيادة الجماعية للحزب سنة 2024. وفي 7 أكتوبر 2021 عُينت وزيرة لإعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، وهو المنصب الذي شغلته حتى تعيينها رئيسة للحكومة.
هذه التفاصيل لا تجعلها فوق النقد، لكنها تجعل اختزالها في كلمة «امرأة» أمرًا أكثر فقرًا من أن يكون نقدًا سياسيًا.

وأنا شخصيًا لست من حزب الأصالة والمعاصرة، ولي ميول سياسية واضحة نحو حزب المعارضة، وبالتالي فإن السيدة المنصوري تقف سياسيًا في جهة لا أنتمي إليها ولا أميل إليها. ومع ذلك، أقول بوضوح إنني أراهن على نجاحها إذا أتيح لها العمل بعيدًا عن الأحكام المسبقة. ليس لأنها امرأة، ولا رغبة في منحها حصانة سياسية، وإنما لأن اختلافنا السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى رغبة في فشل الوطن.

وفي المقابل، فإن الرهان على نجاحها لا يعني التنازل عن حق النقد أو تعليق المساءلة، بل يعني منحها الفرصة للعمل ثم الحكم على تجربتها من خلال ما تحققه على أرض الواقع. فإذا نجحت في تدبير الملفات وتحقيق نتائج ملموسة، فمن الإنصاف الاعتراف بذلك، لأن نجاحها سيكون في النهاية نجاحًا للحكومة وللمغرب. وإذا أخطأت، فالنقد حق مشروع
لكنني أرفض أن يكون جنسها هو التهمة، فالرجل لا يدخل منصبه مطالبًا أولًا بإثبات أن كونه رجلًا لا يمنعه من القيادة.

لماذا تطالب المرأة بذلك؟
هناك فرق شاسع بين الرجل والذكر: الذكورة وصف بيولوجي، أما الرجولة، حين تُفهم باعتبارها مسؤولية وشجاعة وإنصافًا، فلا تُقاس بالكروموسومات، ولا بالصوت المرتفع، ولا بإهانة النساء. ولهذا لا أريد للسيدة فاطمة الزهراء المنصوري امتيازًا لأنها امرأة، كما لا أريد أن تُحرم من شيء لأنها امرأة. أريد معيارًا واحدًا: الكفاءة، والمسؤولية، والنزاهة، والإنجاز، والنتائج.

والسنوات المقبلة ستضعها أمام اختبار حقيقي: هل تستطيع أن تنقل خبرتها من مراكش إلى مستوى الحكومة؟ وهل تستطيع أن تدير ملفات السكن والتعمير والاستثمار والتشغيل والخدمات العمومية والقدرة الشرائية، وأن تترجم ما التزمت به من وعود في مجال الدعم الاجتماعي، والحد الأدنى للأجور، والدعم المباشر، والماء والكهرباء، ودعم الأرامل والمتقاعدين، وغيرها من الملفات التي ارتبطت ببرنامجها؟ لا أحد يستطيع أن يضمن الإجابة مسبقًا، لأن التجارب السياسية لا تُحسم بالنوايا، وإنما بما تنتجه في الواقع.

وأعتقد أن أمامها فرصة حقيقية لصناعة تجربة سياسية مهمة إذا أُتيح لها المجال لتعمل، وحوسبت على نتائجها لا على جنسها. فقد كانت محامية، وعمدة، وبرلمانية، ووزيرة، وقيادية حزبية، وهي اليوم أمام مسؤولية أكبر واختبار أشد. وهذه ليست دعوة إلى تقديسها بل إلى ترك تجربتها تتحدث
أما الذين يريدون إعادة المرأة إلى المطبخ لمجرد أنها امرأة، فأقول لهم: لقد تأخرتم كثيرًا. فالمرأة خرجت من المطبخ إلى المدرسة، ومن المدرسة إلى الجامعة، ومن الجامعة إلى المستشفى والمحكمة والبرلمان والوزارة… إلخ

وها هي اليوم تصل إلى رئاسة الحكومة. لذلك لم يعد السؤال: هل تستطيع المرأة أن تصل؟ لقد وصلت. السؤال الآن: ماذا ستفعل عندما تصل؟وماذا سنفعل نحن عندما تنجح؟
فنجاحها لن يكون هزيمة للرجل، ولا انتصارًا لحزبها على حزب آخر، بل سيكون صفعة لذلك التصور الذي لا يزال يتعامل مع السلطة وكأنها امتياز محفوظ لجنس دون آخر. وسيكشف مرة أخرى، أن العائق أمام المرأة ليس بالضرورة نقصًا في القدرة، بل تلك النظرة المسبقة التي تحاكم جنسها قبل أن تنظر إلى أدائها.

وما أتمناه، لا في المغرب وحده بل في محيطنا العربي والإقليمي أيضًا، أن نرتقي بالنقاش إلى ما هو أعمق من السخرية من قرار هنا أو التشكيك في امرأة هناك. فمن الطبيعي أن تختلف المجتمعات مع قرارات حكوماتها، وأن يُنتقد اختيار سياسي أو يناقش قرار رسمي، لكن ما رأيناه في بعض النقاشات الممتدة في دول عربية ومجاورة يتجاوز أحيانًا نقد القرار إلى التشكيك في أهلية المرأة لمجرد أنها امرأة، وكأن وصولها إلى موقع المسؤولية يمثل في حد ذاته أمرًا يستدعي الاعتراض. وهذا في تقديري، لا يضيف شيئًا إلى السياسة ولا يخدم الإنسان بل يعيد إنتاج الجهل

أما الآن، فلتُترك التجربة لتقول كلمتها. فالوقت وحده سيكشف ما إذا كان هذا الوصول مجرد لحظة في تاريخ السياسة المغربية، أم بداية لمسار يستحق أن يُذكر طويلًا. وفي الحالتين، يبقى الحكم الحقيقي لما سيحدث بعد الوصول، لا لما قيل قبله. أتمنى لها التوفيق في هذه المسؤولية، وأن تجد في هذه المرحلة فرصة حقيقية للعمل وتحقيق ما ينتظره منها المغاربة، ولها ولكل امرأة في كل بقاع العالم، أن تجد طريقها إلى المكان الذي تستحقه بقدرتها وعملها، لا بما يفرضه عليها جنسها.

كاتب

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى