
الكاتبة الصحفية مريم بدران
نحن لا نخاف الشيخوخة، أو هكذا نحب أن نصدق كل صباح ونحن نقف أمام المرآة. نحن نخاف ما ستفعله بنا حين تسحب منا بالتدريج الأشياء التي ربطنا بها صورتنا عن أنفسنا: وجهًا لا تزال العين ترغب في النظر إليه، جسدًا لا يزال قادرًا على الإغراء، عضلات لم تبدأ بالانهيار، شعرًا لم يعلن تمرده الأبيض، وبالنسبة إلى رجل عاش عمره وهو يتلقى رسالة خفية مفادها أن رجولته تقاس بقدرته الجنسية، خوفًا أعمق: ماذا لو جاء اليوم الذي يريد فيه جسده أن يتوقف بينما يريد هو أن يثبت لنفسه أنه ما زال الرجل نفسه؟
وهنا تبدأ المأساة ليس لأن الجسد يتغير، فهذه طبيعته البيولوجية، بل لأننا تربينا على كراهية هذا التغير قبل أن يصل.
الرجل الذي يدخل الأربعينيات أو الخمسينيات قد لا يخاف التجاعيد بقدر ما يخاف المرآة حين تذكره بأن الانتصاب لم يعد مضمونًا كما كان. قد يبحث عن منشطات أو أعشاب أو وصفات يتناقلها الرجال في السر، وقد يشتري شيئًا لا يعرف مصدره لأنه لا يستطيع أن يقول بصوت واضح: «لدي مشكلة». وقد يصل إلى الطبيب بصعوبة مترددًا وخائفًا من أن يسمع كلمة تجعل خوفه حقيقة ، وأحيانًا لا يذهب أصلًا، فيخفي المشكلة وينكرها ويبتعد عن الحديث عنها، وقد يتحول القلق المكبوت إلى توتر داخل العلاقة أو عصبية وسلوك دفاعي.
وفي بعض المجتمعات العربية حيث لا تزال الصحة الجنسية عند الرجل موضوعًا شديد الحساسية، بل وتابو يصعب الحديث عنه، قد يصبح الاعتراف بالمشكلة أصعب من المشكلة نفسها، ليس لأن الرجل لا يريد العلاج بل لأنه تعلم أن طلب المساعدة قد يعني اعترافًا بأن رجولته لم تعد كما كانت.
طبيًا، الأمر أكثر تعقيدًا. ضعف الانتصاب يصبح أكثر شيوعًا مع التقدم في العمر، لكنه ليس جزءًا حتميًا من الشيخوخة، وقد يرتبط بالسكري وارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب والأوعية، أو بعض الأدوية، والتدخين والكحول والمخدرات، وقلة النوم والتوتر، إضافة إلى عوامل نفسية. وقد تظهر أيضًا تغيرات في الاستجابة الجنسية أو القذف أو الأداء. كثير من هذه المشكلات يمكن علاجها أو التعامل معها، لكن الأصعب أحيانًا ليس المشكلة الطبية، بل المعنى الذي يضعه الرجل فوقها:أن جسده إذا عجز، ولو مؤقتًا، فقد عجز هو. قد يشعر بعض الرجال أن شهادة رجولتهم سُحبت منهم. ومع ذلك، ماذا يفعل الرجل عندما يخاف؟ يخفي بطنه، يبحث عن عضلات أصغر سنًا، ويراقب جسده أكثر مما يعيشه. يخشى أن يرى نفسه عاريًا أمام امرأة قد تقارن جسده بصورة رجل آخر أكثر شبابًا. وقد يذهب إلى أماكن أو علاقات أو منتجات يحاول من خلالها أن يستعيد شيئًا يشعر أنه يفلت من يده. ليس دائمًا لأنه يريد امرأة أخرى، بل لأنه أحيانًا يريد أن يستعيد نفسه. وهذه هي النقطة الأكثر إيلامًا:فالإنسان لا يطارد الرغبة دائمًا لأنه يريد الآخر، بل لأنه يريد أن يتأكد أنه ما زال مرغوبًا.
وفي الجهة الأخرى تجلس امرأة أمام مرآتها، تلمس وجهها، تشد جلدًا بدأ يفقد شيئًا من تماسكه، وتخفي خصلة بيضاء. ثم تبدأ الحرب الهادئة: كريم للوجه، وآخر للجلد، وصبغة تخفي الشيب، وجلسات ليزر لشعر الجسد، وحقن في الوجه، وبوتوكس، وفيلر، وربما شد أو نحت لمنطقة لم تكن تراها مشكلة قبل سنوات.
ثم تعود إلى المرآة، لا لترى نفسها، بل لتبحث عن العيب التالي الذي يحتاج إلى إصلاح. ومن حق الإنسان أن يعتني بمظهره وشكله، وأن يختار ما يراه مناسبًا لجسده، لكن المشكلة تبدأ حين يتحول الاعتناء بالنفس إلى حرب على الجسد، وحين لا يعود التغيير اختيارًا بل يصبح محاولة مستمرة للهروب من صورة الذات. عندها لا تعود المرأة تسأل: “ماذا أريد أن أغير؟” بل: “ماذا يجب أن أخفي؟” وقد تصل إلى مرحلة لا تعود فيها ترتدي وجهها بل ترتدي الوجه الذي يرضي الآخرين…
لكنها خسرت أمام ماذا؟ أمام العمر أم أمام صورة جعلتها تشعر أن ما يحدث لجسدها ليس طبيعيًا بما يكفي؟ ربما لم يعد السؤال من صنع هذا الخوف بل ماذا يفعل الخوف بنا حين يستقر في الداخل؟ عندها لا تحتاج إلى أحد ليخبرك أن جسدك ناقص. تبدأ أنت في مراقبته بدل أن تعيشه وفي تحويل كل تغير طبيعي فيه إلى شيء يستحق الإصلاح. وهنا يصبح الأمر أخطر من مستحضر أو عيادة أو حقنة لأنك لا تعود تشتري شيئًا لتغير جسدك بل تشتري وعدًا بأن تصبح أخيرًا راضيًا عنه. وكلما اقتربت من الصورة التي تطاردها ابتعدت أكثر عن نفسك.
وهنا يصبح الجسد ساحة مقارنة.
الرجل يقيس نفسه برجل آخر والمرأة تقيس نفسها بامرأة أخرى، الشاب يقيس عضوه بصور صنعتها الشاشة والفتاة تقيس صدرها أو خصرها أو مؤخرتها بمقاييس لا يعرف أحد من وضعها ، امرأة تخفي عمرها ورجل يخفي بطنه وشخص آخر يخفي صلع رأسه ، ثم يقول الجميع “أنا لا أحب جسدي” لكن ربما السؤال الحقيقي ليس لماذا لا نحب أجسادنا بل من أقنعنا أن علينا أن نحب أجسادنا فقط عندما تبدو قابلة للبيع؟
منذ الطفولة، نتعلم أن الجسد ليس لنا تمامًا (هذا جميل، وهذا قبيح. هذه نحيلة، وهذه سمينة. هذا قوي، وهذا ضعيف. هذه مرغوبة، وهذه غير مرغوبة. ثم تكبر هذه اللغة داخلنا حتى تصبح صوتًا لا نعرف مصدره)
في علم النفس، صورة الجسد ليست مجرد ما نراه في المرآة، بل جزء من الطريقة التي نرى بها أنفسنا. وعندما يتحول الانشغال بالمظهر إلى هوس يستهلك الإنسان ويقوده إلى المقارنة المستمرة وتفقد عيوبه وطلب الطمأنة ومحاولة إخفائها، قد نكون أمام اضطراب تشوه صورة الجسم (Body Dysmorphic Disorder)
حيث يصبح العيب، حتى لو كان بسيطًا أو غير ملحوظ للآخرين، أكبر من الجسد نفسه.
وهنا تكمن المفارقة: قد يصل الإنسان إلى عيادة التجميل بحثًا عن حل، بينما يكون العيب أحيانًا في الطريقة التي تعلم بها أن يرى نفسه. لأن من اعتاد البحث عن العيب، سيجد آخر.
ثم يأتي العمر ، الشيخوخة ليست حين تظهر التجاعيد بل حين يبدأ الجسد في تغيير الأشياء التي ظننا أنها ستبقى لنا.
المرأة لا تخاف فقط أن تتجعد، بل تخاف انقطاع الطمث وما يحمله من تغيرات قد تجعلها تنظر إلى جسدها كامرأة بطريقة لم تعتدها. والرجل قد يواجه خوفًا مشابهًا حين تتغير رغبته أو قدرته الجنسية، فيبدأ في التساؤل عما بقي من الصورة التي عرف بها نفسه. وكلاهما قد يصل إلى السؤال نفسه: إذا تغير هذا، فمن أكون؟ ربما لهذا السبب لا نتصالح مع أجسادنا، لأن التصالح الحقيقي لا يعني أن نقف أمام المرآة ونردد جملة محفوظة مثل «أنا جميلة كما أنا».
الأمر أعمق بجهد ، التصالح يعني أن نقبل فكرة أكثر رعبًا: أننا لسنا أجسادنا فقط، وأن الجسد ليس عقدًا يضمن لنا الرغبة، وأن القدرة الجنسية ليست شهادة رجولة، ولا الثدي شهادة أنوثة، ولا التجاعيد فشلًا، ولا البطن جريمة.
والأهم أن الرغبة نفسها ليست عدوًا.
من الطبيعي أن نريد أن نكون جميلين ومرغوبين، ومن الطبيعي أن نخاف فقدان الجاذبية أو القدرة أو أن نصبح غير مرئيين.
لكن المأساة تبدأ حين يتحول هذا الخوف إلى سيد.
يمكن للإنسان أن يعالج مرضًا، ويمارس الرياضة، ويعتني بمظهره، ويصبغ شعره، ويتلقى علاجًا جنسيًا أو يجري إجراءً تجميليًا إذا اختاره بوعي.
لا شيء من ذلك هو المشكلة.
المشكلة أن يفعل الإنسان كل هذا وهو يكره نفسه. هناك فرق هائل بين أن تقول: أريد أن أعتني بجسدي.
وأن تقول: لا أستطيع أن أحتمل جسدي كما هو.
الأولى عناية والثانية حرب.
ولعل أكثر ما يخيف في الشيخوخة ليس أن يصبح جسدنا أضعف، بل أن نكتشف كم كنا قساة عليه وهو قوي ، كم مرة رفضناه لأنه لم يكن يشبه صورة في مجلة.
كم مرة حرمناه من الحب لأن البطن لم يكن مسطحًا.
كم مرة جعلنا امرأة تخجل من عمرها.
كم مرة جعلنا رجلًا يخاف من ليلة قد لا يستجيب فيها جسده.
كم مرة جعلنا إنسانًا يعتقد أن عليه أن يبقى شابًا حتى يستحق أن يحب.
ثم يأتي العمر بلا اعتذار تتغير البشرة، ويتغير الشعر، وتتغير العضلات والرغبة، وقدرة الجنسية. وتتغير النساء والرجال بطريقة لا يمكن لأحد أن يمنعها.
وعند هذه النقطة، يقف الإنسان أمام السؤال الذي حاول الهرب منه طوال حياته: هل كنت أحب جسدي فعلًا، أم كنت أحب النسخة من جسدي التي كان الآخرون يصفقون لها؟
ربما هذا هو الخوف الحقيقي من الشيخوخة. أننا لا نخاف من أن نصبح كبارًا، بل نخاف أن نصبح غير قابلين للتسويق، غير قابلين للمقارنة، غير قابلين للإغراء، غير قابلين للتصوير، غير قابلين للإخفاء.
لكن الجسد لم يعدنا يومًا بالبقاء شبابًا. نحن الذين طلبنا منه المستحيل.
طلبنا من الوجه ألا يتجعد، ومن الشعر ألا يشيب، ومن الرجل ألا يعجز، ومن المرأة ألا تفقد جمالها، ومن الجلد ألا يسجل السنوات، ومن القلب ألا يتعب، ومن المرآة أن تكذب إلى الأبد.
ثم غضبنا عندما قالت الحقيقة.
وربما النضج ليس أن ننتصر على الشيخوخة، بل أن نتوقف أخيرًا عن اعتبارها هزيمة لأن أكثر الأجساد بؤسا ليست تلك التي شاخت، إنها تلك التي قضت عمرها كله وهي تخاف أن تشيخ.
فماذا لو اكتشفنا في النهاية أن أكثر ما احتجنا إلى علاجه لم يكن أجسادنا، بل عقولنا؟





