استفيقوا أيها السوريون… رويبضة العصر لا يصنعون شهرتهم وحدهم، أنتم من تمنحونهم المنابر!

الكاتب والصحفي : محمد رائد كعكة

لم تعد المشكلة في المشهد الإعلامي السوري مقتصرة على انتشار المحتوى السطحي أو اللهاث خلف المشاهدات، بل باتت تتجاوز ذلك إلى ظاهرة أكثر خطورة، تتمثل في محاولة بعض من يُطلق عليهم لقب «المؤثرين» احتكار الرأي العام السوري، وتنصيب أنفسهم أوصياء على مواقف السوريين وتوجهاتهم، وكأن ملايين السوريين الذين دفعوا أثماناً باهظة خلال سنوات الحرب والمعاناة باتوا بحاجة إلى إذن من أحد للتعبير عن آرائهم.

لفت انتباهي منشور للصديق أنس رقوقي، تناول فيه بحدة ظاهرة بعض المؤثرين السوريين الذين تحولوا، بحسب وصفه، إلى مجموعات تتبادل التخوين والاتهامات، وتخوض معارك عبثية، وتبحث عن مصالحها الخاصة على حساب القضايا الوطنية.

ورغم قسوة المفردات المستخدمة في المنشور، فإن جوهر القضية يستحق نقاشاً جدياً يتجاوز الأشخاص إلى طبيعة الدور الذي بات يؤديه بعض مشاهير مواقع التواصل الاجتماعي في تشكيل الرأي العام السوري.

من منح هؤلاء حق الوصاية على السوريين؟

السؤال الذي ينبغي طرحه اليوم ليس عن عدد المتابعين الذي يمتلكه هذا المؤثر أو ذاك، بل عن القيمة الحقيقية لما يقدمه للمجتمع.

فبأي حق يتحول شخص صنع شهرته عبر مقاطع مصورة ومنشورات مثيرة للجدل إلى مرجعية سياسية أو وطنية؟ ومن منحه صلاحية توزيع شهادات الوطنية، وتصنيف السوريين بين مؤيد وخائن، وصاحب حق ومتآمر، لمجرد اختلافهم معه في الرأي؟

الأكثر إثارة للاستغراب أن بعض الأصوات التي تتصدر المشهد اليوم لم يكن لها حضور يُذكر عندما كان السوريون يواجهون أصعب ظروف حياتهم، لكنها اكتشفت فجأة، بعد تبدل موازين القوى، أنها تمتلك مفاتيح الوطنية والشرعية والحديث باسم الشعب.

وليس المطلوب أن يكون كل مؤثر قد شارك في الثورة أو مارس العمل السياسي حتى يُسمح له بإبداء رأيه، فحرية التعبير حق للجميع. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا الحق إلى ادعاء باحتكار الحقيقة، أو وسيلة لتخوين الآخرين وإسكاتهم.

بين صناعة الوعي وصناعة التريند

سبق أن تناولت في مقال نشرته عبر وكالة NL News Agency ظاهرة «التريند»، وخطورة تحول الشهرة الرقمية إلى وسيلة للتأثير في وعي المجتمعات، وكيف يمكن للمحتوى السطحي والمثير أن يتقدم على المعرفة والخبرة والمواقف المسؤولة.

واليوم، يبدو هذا النقاش أكثر إلحاحاً عند النظر إلى بعض ما يجري على منصات التواصل السورية.

فقد أصبحنا أمام مشهد يستطيع فيه منشور استفزازي أن يحصد مئات آلاف المشاهدات، بينما تمر قضايا الفقر والبطالة والمفقودين والنازحين وإعادة الإعمار دون الاهتمام الذي تستحقه.

وباتت المعارك الشخصية وتبادل الاتهامات مادة يومية لبعض الحسابات التي تتغذى على الانقسام، وتحوّل الخلافات إلى عروض إعلامية هدفها زيادة المتابعين وتحقيق الانتشار.

وهنا تكمن الخطورة الحقيقية؛ عندما تصبح الإثارة أكثر ربحاً من الحقيقة، والتملق أسرع طريق إلى الشهرة، والاقتراب من أصحاب النفوذ بديلاً عن الاستقلالية والموقف الأخلاقي.

الوطن ليس سلّماً للوصول إلى أصحاب السلطة

من حق أي مواطن سوري أن يدعم الحكومة أو يعارضها، وأن يعبّر عن موقفه السياسي دون خوف أو تخوين. لكن ثمة فارقاً كبيراً بين التأييد القائم على القناعة، وبين التملق الذي يحوّل صاحبه إلى مدافع عن كل قرار، ومبرر لكل خطأ، ومهاجم لكل صوت ينتقد.

الدولة ليست ملكاً لأشخاص، والوطنية ليست امتيازاً يمنحه مؤثر لأحد ويسحبه من آخر.

ومن يدافع عن السلطة اليوم مطالب بالقدر نفسه من الشجاعة في انتقاد أخطائها، تماماً كما يُنتظر ممن يعارضها أن يتحلى بالموضوعية وألا ينكر أي خطوة إيجابية لمجرد أنها جاءت من الطرف الذي يختلف معه.

أما تحويل وسائل التواصل إلى منصات لتصفية الحسابات، أو تبرير الانتهاكات، أو تلميع شخصيات متهمة بالتورط في جرائم، فلا يخدم بناء الدولة ولا يساعد السوريين على تجاوز سنوات الانقسام.

وسوريا التي خرجت من سنوات طويلة من المآسي لا تحتاج إلى أصوات تصفق لكل مسؤول، بل إلى أصوات تذكّره بمسؤولياته تجاه المواطنين.

لكن ليس كل المؤثرين سواء

وسط هذه الصورة القاتمة، سيكون من الظلم تجاهل مؤثرين سوريين يستحقون الاحترام والتقدير، اختاروا أن يكون حضورهم الرقمي وسيلة لخدمة الإنسان لا سلّماً للوصول إلى أصحاب النفوذ.

هناك من ينقل معاناة الأسر التي تعيش تحت خط الفقر، ومن يسلط الضوء على أوضاع المخيمات، ومن يدافع عن حقوق المعتقلين والمفقودين، ومن يساهم في المبادرات الإنسانية والتعليمية، ومن يستخدم شهرته لجمع التبرعات ومساعدة المحتاجين.

وهناك أيضاً من يحاول نشر ثقافة الحوار وقبول الاختلاف، وإعادة بناء الثقة بين السوريين بعد سنوات من الاستقطاب والانقسام.

هؤلاء يمثلون نموذجاً مختلفاً للتأثير؛ تأثيراً لا تُقاس قيمته بعدد الإعجابات، وإنما بالأثر الذي يتركه في حياة الناس.

فالمؤثر الحقيقي ليس من يستطيع جمع أكبر عدد من المتابعين حول شخصه، بل من يستطيع توجيه اهتمامهم نحو قضية تستحق، وإحداث تغيير إيجابي مهما كان بسيطاً.

من المستفيد من تحويل السوريين إلى جماهير متخاصمة؟

عندما يتحول النقاش العام إلى معارك بين مجموعات من المؤثرين، يصبح المواطن السوري هو الخاسر الأكبر.فبدلاً من النقاش حول تحسين الخدمات، وإنعاش الاقتصاد، ومكافحة الفساد، وتحقيق العدالة، وضمان الحقوق والحريات، ينشغل المتابعون بمعارك إلكترونية لا تقدم حلاً ولا تبني مؤسسة.

والأخطر أن أي جهة سياسية أو اقتصادية قد تجد في هذا المناخ فرصة لتوجيه النقاش العام بعيداً عن القضايا الأساسية، دون أن يعني ذلك بالضرورة وجود تنسيق منظم بين المؤثرين وأصحاب السلطة.

لذلك، فإن مسؤولية المؤسسات الرسمية لا تقتصر على تقبل النقد، بل تشمل أيضاً رفض تحويل القرب من المسؤولين إلى مصدر امتياز إعلامي، وضمان ألا تكون الشهرة الرقمية بديلاً عن الكفاءة أو التمثيل الحقيقي للمجتمع.

استفيقوا أيها السوريون… أنتم من تصنعون التفاهة وأنتم من تستطيعون إنهاءها!

ولكن، وسط كل هذا الضجيج، لا بد من توجيه كلمة صريحة إلى الشعب السوري نفسه، حتى وإن كانت قاسية بعض الشيء.

استفيقوا أيها السوريون! إلى متى ستمنحون رويبضة العصر منابر لم يكونوا ليحلموا بها لولا متابعتكم وتصفيقكم وتفاعلكم؟

إلى متى نشتكي من تفاهة بعض المؤثرين، بينما نحن من نصنع شهرتهم، ونرفع أرقام مشاهداتهم، ونتبادل منشوراتهم، ونحوّل خلافاتهم الشخصية إلى قضايا تشغل الرأي العام؟

الحقيقة التي ينبغي الاعتراف بها أن هؤلاء لم يفرضوا أنفسهم من فراغ؛ فكل مشاهدة وتعليق ومشاركة تمنحهم مساحة إضافية من الحضور والنفوذ.

وحتى الغضب منهم قد يتحول إلى وقود يزيد انتشارهم، لأن خوارزميات المنصات قد تكافئ التفاعل بغض النظر عن دوافعه.

ولذلك، فإن المسؤولية لا تقع على من ينتج التفاهة وحده، بل تمتد إلى من يمنحها قيمتها ويجعلها حديث المجتمع.

قاطعوا التفاهة، لا تمنحوها مشاهداتكم، ولا تجعلوا من أصحابها نجوماً على حساب أصحاب الفكر والعلم والمواقف النبيلة.

لا تتابعوا من يتاجر بآلامكم، ولا تكافئوا من يحوّل دماء الضحايا ومعاناة السوريين إلى مادة للشهرة، ولا تسمحوا لمن يتقن التملق لأصحاب السلطة والنفوذ أن يحتكر الحديث باسمكم.

وفي المقابل، امنحوا اهتمامكم لمن ينقل وجع السوريين بصدق، ولمن يقدم المعرفة، ويدافع عن الحقوق، ويساهم في بناء الوعي وإصلاح المجتمع، بعيداً عن المصالح الشخصية وحسابات الشهرة.

فالجمهور ليس مجرد متلقٍ عاجز أمام ما تفرضه عليه الشاشات. الجمهور هو من يستطيع، بوعيه واختياراته، أن يحدد أي محتوى يستحق الانتشار، وأي أصوات تستحق أن تتصدر المشهد.

أنتم من تصنعون النجوم، وأنتم من تستطيعون إطفاء الأضواء عن نجومية زائفة.

فلا تسمحوا لتافه أن يفرض تفاهته على مجتمع دفع أغلى ما يملك بحثاً عن الكرامة والحرية.

لقد آن الأوان لأن يستعيد السوريون حقهم في اختيار من يستمعون إليه، وأن يدركوا أن كثرة المتابعين لا تصنع مفكراً، وأن الضجيج لا يصنع قائداً، وأن التقرب من أصحاب المناصب لا يمنح صاحبه صك الوطنية.

سوريا أكبر من مشاهير مواقع التواصل

لا يحق لأحد اختزال الشعب السوري في مجموعة من الحسابات الأكثر صخباً على فيسبوك أو تيك توك أو غيرهما.

فسوريا ليست ملكاً للمؤثرين، ولا للسياسيين، ولا لمن يملكون القدرة على الوصول إلى المسؤولين. إنها وطن لجميع أبنائها، بمن فيهم أولئك الذين لا يمتلكون حسابات مشهورة ولا منابر إعلامية، لكنهم يحملون هموم البلاد ومستقبلها في تفاصيل حياتهم اليومية.

ومن المؤسف أن يصل الأمر ببعض صناع المحتوى إلى التعامل مع المأساة السورية وكأنها مادة تسويقية قابلة للاستثمار كلما تراجعت المشاهدات أو انخفض التفاعل.

لقد دفع السوريون ثمناً باهظاً بحثاً عن الكرامة والحرية والعدالة، ولا يجوز أن تتحول تضحياتهم إلى وسيلة لصناعة نجومية زائفة، أو إلى أوراق اعتماد يتقرب بها البعض من هذا المسؤول أو ذاك.

نحن بحاجة إلى إعلاميين ومؤثرين يملكون الجرأة على قول الحقيقة، لا إلى جوقة تصفيق تتغير مواقفها بتغير الأشخاص والمناصب.

وبحاجة إلى من يرفع صوت المواطن البسيط، لا إلى من يرفع صوره مع أصحاب النفوذ باعتبارها إنجازاً وطنياً.

تنبهوا واستفيقوا أيها السوريون… لا تجعلوا من التفاهة سلطة فوق عقولكم، ولا تمنحوا من يتاجر بمأساتكم حق الحديث باسمكم.

فسوريا التي أنجبت العلماء والمفكرين والأدباء وأصحاب المواقف الشجاعة، تستحق أن تتصدر مشهدها أصوات تبني الوعي، لا أصوات تعتاش على الانقسام والمهاترات.

والرسالة الأخيرة واضحة: لا تنتظروا أن تتوقف التفاهة من تلقاء نفسها؛ أوقفوا مكافأتها بالمشاهدة والمتابعة والتفاعل. فالشهرة التي يصنعها الجمهور يستطيع الجمهور نفسه أن يسحبها.

ويبقى السؤال الذي أوجهه إلى كل سوري، داخل الوطن وخارجه:

هل سنواصل صناعة نجومية من يتاجر بآلامنا، أم سنستعيد وعينا ونمنح صوتنا واهتمامنا لمن يعمل بصدق من أجل سوريا وشعبها؟

كاتب

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى