لهذه الدرجة.. تحقدون على حلب؟

الصحفي : محمد رائد كعكة

قبل أن نطرح هذا السؤال، علينا أن نتذكر عن أي مدينة نتحدث.

نتحدث عن حلب، المدينة التي كانت لقرون طويلة عاصمة الاقتصاد والتجارة والصناعة في المشرق العربي. المدينة التي تأسست فيها أول غرفة تجارة في الوطن العربي، ودخلتها أول ماكينة نسيج حديثة، واحتضنت أولى المطابع ودور السينما، وكانت دائماً بوابة سورية الاقتصادية على العالم.

نتحدث عن المدينة التي لم تكن مجرد مركز سكاني أو إداري، بل كانت إحدى أهم مدن الشرق وآسيا، وحلقة الوصل التاريخية بين الشرق والغرب. فمن أسواقها وخاناتها مرت القوافل التجارية القادمة من أوروبا والمتجهة نحو بلاد الرافدين وفارس والهند، ومنها تشكلت واحدة من أعرق الطبقات التجارية والصناعية في المنطقة.

كانت حلب اسماً عالمياً قبل ظهور معظم الدول الحديثة في الشرق الأوسط. عرفها الرحالة والمستشرقون والكتّاب الغربيون، واحتلت مكانة استثنائية في أدبياتهم وكتاباتهم بوصفها مدينة التجارة والثقافة والانفتاح والتنوع. لم تُعرف حلب بقوة السلاح ولا بنفوذ السلطة، بل بقوة العمل والإنتاج والاقتصاد والثقافة.

ورغم كل ذلك، تبدو حلب اليوم وكأنها مدينة كُتب عليها أن تدفع ثمن نجاحها ومكانتها. فمنذ عقود طويلة، يشعر أبناؤها بأن مدينتهم تُعاقَب وتُهمَّش، وأن ما لم تستطع الحروب تحقيقه من إضعاف دورها، تحاول السياسات المتعاقبة تحقيقه بوسائل أخرى.

فبعد أحداث الصراع بين النظام السوري وجماعة الإخوان المسلمين في ثمانينيات القرن الماضي، دخلت حلب مرحلة طويلة من التهميش السياسي والاقتصادي، رغم أنها بقيت الرافعة الاقتصادية الأولى لسورية. تحولت المدينة في نظر كثير من أبنائها إلى بقرة حلوب تُنتج الأموال وتُرفد خزينة الدولة، بينما تُحرم من نصيبها العادل في التنمية والتمثيل السياسي ومراكز القرار.

لقد تعامل نظام حافظ الأسد، ومن بعده نظام بشار الأسد، مع حلب باعتبارها خزينة مفتوحة للدولة أكثر من كونها شريكاً حقيقياً في القرار الوطني. كانت المصانع تدور، والتجارة تزدهر، والأموال تتدفق من المدينة إلى خزينة الدولة، بينما كانت المشاريع الكبرى والمراكز السيادية والقرارات المفصلية تُمنح في أماكن أخرى.

ولا تزال قضية شركات جمع الأموال واحدة من أكثر الملفات إيلاماً في الذاكرة الاقتصادية الحلبية. فقد استثمر آلاف المواطنين مدخرات أعمارهم في شركات مثل “كلاس” و”أمينو”، قبل أن تتبخر أموال هائلة في ظروف ما زالت تثير الأسئلة والمرارة لدى كثير من المتضررين الذين فقدوا جنى أعمارهم بين ليلة وضحاها.

وعندما اندلعت الثورة السورية عام 2011، لم تكن حلب في طليعة المدن التي انخرطت في المواجهة منذ اللحظة الأولى. فقد ساد التردد والحذر بين شرائح واسعة من سكانها الذين كانوا يخشون الانزلاق نحو الفوضى والحرب. إلا أن ذلك لم يمنع المدينة لاحقاً من أن تتحول إلى إحدى أعنف ساحات الصراع في سورية.

ومع اتساع رقعة الحرب، أصبحت حلب ميداناً لمعارك مدمرة بين فصائل الثورة السورية والتنظيمات الجهادية من جهة، وقوات النظام وحلفائه من جهة أخرى. وفي خضم هذا الصراع دفعت المدينة ثمناً يفوق الوصف. أحياء كاملة سويت بالأرض، ومصانع نهبت أو دمرت، وأسواق تاريخية احترقت، ومئات الآلاف من السكان هُجروا من منازلهم.

والمفارقة المؤلمة أن المدينة التي لم تكن في مقدمة المواجهة عند بداية الأحداث، كانت من أكثر المدن التي دفعت الثمن لاحقاً.

واليوم، وبعد سقوط نظام الأسد، يشعر كثير من أبناء حلب بأن مرحلة جديدة من التهميش بدأت، ولكن بأدوات مختلفة. فهناك انطباع متزايد بأن المناصب الحكومية والأمنية والإدارية الحساسة تتركز بصورة كبيرة في أيدي شخصيات تنتمي إلى محافظة إدلب، بينما يجري تهميش الكفاءات والشخصيات الحلبية رغم الثقل السكاني والاقتصادي والتاريخي للمدينة.

ويزداد الاستياء عندما يجري تعميم أوصاف جماعية بحق سكان مدينة حلب، ووصمهم بالشبيحة أو الموالين للنظام السابق وكأن ملايين البشر كتلة واحدة متجانسة. فهذه الأحكام لا تظلم أبناء حلب فقط، بل تتجاهل حقيقة أن المدينة دفعت أثماناً باهظة من دماء أبنائها وممتلكاتهم واقتصادها خلال سنوات الحرب.

ولا يمكن بناء سورية جديدة على أساس التخوين الجماعي أو الانتقام المناطقي. فالدولة التي تُبنى على الإقصاء ستعيد إنتاج الأزمات نفسها التي عانى منها السوريون لعقود طويلة.

كما يشعر كثير من الحلبيين أن سورية تسير نحو مركزية جديدة بأسماء مختلفة، حتى بات البعض يصف المشهد الحالي بأن إدلب تحولت إلى “القرداحة الجديدة”، في إشارة إلى الخشية من انتقال النفوذ والاحتكار من منطقة إلى أخرى بدلاً من بناء دولة المؤسسات والمواطنة.

وتظهر هذه المخاوف في قضايا متعددة، من بينها ما يثار حول تفاوت المعايير والخدمات والفرص بين المحافظات. ويُستشهد أحياناً بمستوى بعض النماذج الامتحانية أو السياسات التعليمية التي يرى منتقدوها أنها لا تراعي مبدأ العدالة وتكافؤ الفرص بين جميع الطلاب السوريين.

ولا يقف الأمر عند السياسة والإدارة فحسب، بل يمتد في نظر كثيرين إلى المجال الثقافي والتراثي أيضاً. فهناك شعور متزايد بأن جزءاً من الهوية الثقافية الحلبية يتعرض للتجاهل أو لإعادة النسب إلى مناطق أخرى.

فالمطبخ الحلبي، الذي يعد من أشهر المطابخ في العالم العربي، بما يضمه من الكبة الحلبية والكباب الحلبي وأنواع المحاشي المختلفة، ارتبط تاريخياً باسم المدينة عبر مئات السنين. وكذلك الفستق الحلبي الذي حمل اسم حلب إلى العالم كله، والقدود الحلبية التي تمثل أحد أهم ألوان التراث الموسيقي السوري والعربي.

إن الاعتزاز بحلب لا يعني الانتقاص من إدلب أو حماة أو دمشق أو أي مدينة سورية أخرى. كما أن الدفاع عن التراث الحلبي ليس عداءً لأحد، بل دفاع عن الحقيقة التاريخية وعن هوية ثقافية تراكمت عبر قرون طويلة.

فحلب لا تطلب امتيازات خاصة، ولا تبحث عن هيمنة على أحد، ولا تدعي احتكار الوطنية أو التاريخ. كل ما يريده أبناؤها هو الاعتراف بمكانة مدينتهم، واحترام تضحياتها، ومنحها حقها الطبيعي كشريك كامل في مستقبل سورية.

لقد أخطأ كثيرون حين ظنوا أن بإمكانهم تهميش حلب أو كسرها أو إلغاؤها من معادلة التاريخ.

فحلب لم تكن يوماً مدينة صنعتها سلطة، حتى تزول بزوالها.

ذهب كل من تجبّر على حلب.

وسيذهب كل من يهمّش حلب.

أما حلب… فستبقى.

كاتب

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى