هل تنقذ تركيا سوريا أم تبني نفوذها فوق أنقاضها؟

من حلب إلى دمشق… كيف تحولت إعادة الإعمار إلى اختبار حقيقي لمستقبل السيادة السورية؟

الصحفي : محمد رائد كعكة

بعد سنوات من الحرب التي أنهكت سوريا ودمرت مدنها واقتصادها، برزت تركيا بوصفها الشريك الخارجي الأكثر حضورًا في مرحلة ما بعد الأسد. لكن مع اتساع نفوذ الشركات التركية وحصولها على حصص متزايدة من مشاريع الإعمار والاستثمار، يبرز سؤال لا يمكن تجاهله: هل تسهم أنقرة في إنقاذ سوريا وإعادة بنائها، أم أنها تبني نفوذًا استراتيجيًا طويل الأمد فوق أنقاض دولة ما تزال تبحث عن طريقها نحو التعافي؟

في مدينة حلب، التي كانت يومًا القلب الصناعي لسوريا، تبدو ملامح هذا السؤال أكثر وضوحًا. فمع انطلاق مشاريع إعادة الإعمار، برزت الشركات التركية لاعبًا رئيسيًا في العديد من المناقصات والمشاريع الاقتصادية والخدمية. ويرى مؤيدو هذا الحضور أنه أمر طبيعي تفرضه الجغرافيا وقدرات تركيا الاقتصادية وخبرتها في مجالات البناء والبنية التحتية. لكن المنتقدين يتساءلون عما إذا كانت حلب تتحول تدريجيًا من مركز اقتصادي سوري مستقل إلى مجال حيوي للاقتصاد التركي.

ولا يتعلق الأمر بالمشاريع وحدها، بل يمتد إلى حركة التجارة والأسواق والاستثمارات. فكلما ازداد الاعتماد على الشركات والبضائع والخدمات التركية، ازدادت المخاوف من تشكل علاقة اقتصادية غير متوازنة قد تجعل الاقتصاد السوري تابعًا لجاره الشمالي بدل أن يكون شريكًا له.

لكن هل يمكن أصلًا تفسير السياسات التركية تجاه سوريا بمنطق العاطفة أو الأخوة التاريخية؟ الواقع أن الدول لا تتحرك بدافع الحب، بل بدافع المصالح. وتركيا ليست استثناءً من هذه القاعدة. فهي تنظر إلى سوريا بوصفها عمقًا استراتيجيًا لأمنها القومي، وساحة تؤثر بشكل مباشر في استقرار حدودها الجنوبية، كما تراها فرصة اقتصادية كبيرة وسوقًا واعدة لإعادة الإعمار والاستثمار.

ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت تركيا تحب سوريا، بل ما الذي تريده منها. فأنقرة تدرك أن النفوذ في دمشق يمنحها مكانة إقليمية تتجاوز حدود العلاقة الثنائية بين البلدين. فسوريا ليست مجرد دولة مجاورة، بل عقدة جغرافية وسياسية تربط تركيا بالمشرق العربي، وتمنحها قدرة أكبر على التأثير في ملفات المنطقة.

وقد يكون من المفيد النظر إلى الحضور التركي الحالي ضمن إطار أوسع يتعلق بطموحات أنقرة الإقليمية. فمنذ أكثر من عقدين تسعى تركيا إلى تقديم نفسها بوصفها قوة مركزية في الشرق الأوسط، قادرة على التأثير في التوازنات السياسية والاقتصادية للمنطقة. وبينما واجه هذا المشروع تحديات وانتكاسات عديدة، فإن التحولات التي شهدتها سوريا قد تمنح أنقرة فرصة جديدة لتعزيز دورها الإقليمي من بوابة إعادة الإعمار والشراكة الاقتصادية.

وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل البعد المرتبط بإسرائيل. فتركيا تدرك أن النفوذ داخل سوريا يمنحها أوراق قوة إضافية في التنافس على رسم ملامح النظام الإقليمي الجديد. وقد لا يكون الأمر متعلقًا بمواجهة عسكرية مباشرة، بقدر ما هو صراع على النفوذ والتأثير وموقع كل قوة في معادلات الشرق الأوسط القادمة. ومن هذا المنظور، تبدو سوريا بالنسبة لأنقرة أكثر من مجرد جار يحتاج إلى المساعدة، بل تمثل إحدى أهم ساحات النفوذ الاستراتيجي في المنطقة.

لكن ما يثير القلق لدى كثير من السوريين هو احتمال أن تتحول عملية إعادة الإعمار إلى وسيلة لإعادة تشكيل الاقتصاد السوري وفق المصالح التركية. فالتجارب التاريخية تظهر أن النفوذ لا يُبنى بالدبابات وحدها، بل بالاستثمارات والشركات والمشاريع الكبرى. وفي عالم اليوم، تستطيع الشركات أحيانًا تحقيق ما تعجز عنه الجيوش، عبر بناء شبكات مصالح طويلة الأمد تجعل التأثير السياسي نتيجة طبيعية للنفوذ الاقتصادي.

ومن هنا يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية: هل تستبدل سوريا نفوذًا بنفوذ آخر؟ فبعد سنوات طويلة من التأثير الإيراني والروسي في القرار السوري، يخشى البعض أن تنتقل البلاد إلى مرحلة جديدة من الاعتماد على تركيا. صحيح أن طبيعة العلاقة تختلف، وأن الأدوات المستخدمة اليوم اقتصادية أكثر منها عسكرية، لكن جوهر المسألة يبقى واحدًا: كيف يمكن لسوريا أن تستفيد من الدعم الخارجي دون أن تفقد استقلالية قرارها الوطني؟

في المقابل، سيكون من الظلم تجاهل حقيقة أن سوريا الخارجة من حرب مدمرة تحتاج إلى شركاء قادرين على الاستثمار وإعادة البناء. وتركيا بحكم القرب الجغرافي، وقوة قطاعها الخاص، وخبرتها الصناعية، تبدو مؤهلة للعب هذا الدور أكثر من كثير من الدول الأخرى. ولذلك فإن وجودها الاقتصادي لا يعني بالضرورة وجود مشروع هيمنة، بل قد يكون استجابة طبيعية لفراغ هائل خلفته سنوات الحرب.

غير أن القضية لا تتعلق بتركيا وحدها، بل بسوريا أيضًا. فنجاح أي شراكة لا يقاس بحجم الأموال المستثمرة أو عدد المشاريع المنفذة، بل بمدى مساهمتها في بناء اقتصاد وطني قادر على المنافسة والاستقلال. وإذا أصبحت الشركات الأجنبية، أياً كانت جنسيتها، هي المستفيد الأكبر من عملية إعادة الإعمار، فإن سوريا قد تجد نفسها أمام شكل جديد من التبعية الاقتصادية بعد أن دفعت ثمنًا باهظًا للخروج من أزماتها السابقة.

إن القضية ليست في حجم الحضور التركي داخل سوريا، بل في طبيعة هذا الحضور وحدوده. فكل دولة تسعى إلى توسيع نفوذها وخدمة مصالحها، وهذا أمر طبيعي في العلاقات الدولية. لكن السؤال الذي يواجه السوريين اليوم هو ما إذا كانت إعادة الإعمار ستقود إلى استعادة الدولة السورية لقدراتها واستقلالها، أم إلى نشوء علاقة اعتماد طويلة الأمد تجعل القرار الاقتصادي والسياسي السوري أكثر ارتباطًا بالخارج من أي وقت مضى.

في النهاية، لا أحد يلوم تركيا على السعي وراء مصالحها القومية، فهذه هي طبيعة الدول. لكن السؤال الذي سيحدد شكل العلاقة بين البلدين خلال العقود المقبلة ليس ما الذي تريده أنقرة من دمشق، بل ما الذي تريده دمشق من أنقرة. فبين الشراكة والتبعية خيط رفيع، لا ترسمه قوة الدولة الكبرى، بل قدرة الدولة الأصغر على حماية قرارها الوطني وصياغة مشروعها الخاص. وعندها فقط يمكن الإجابة عن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم على السوريين جميعًا: هل تنقذ تركيا سوريا أم تبني نفوذها فوق أنقاضها؟

كاتب

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى