سوريا بين مليارات الوعود وتراجع قيمة الليرة.. متى يشعر المواطن بثمار إعادة الإعمار؟

الصحفي : محمد رائد كعكة

بين الحديث المتواصل عن مشاريع استثمارية بمليارات الدولارات، والواقع الاقتصادي الذي يعيشه المواطن السوري يوميًا، تبرز فجوة تستحق التوقف عندها بعيدًا عن المبالغة في التفاؤل أو التشاؤم.

فالسوري الذي يسمع عن اتفاقيات اقتصادية ضخمة ومشاريع لإعادة الإعمار، لا يزال يواجه تحديات معيشية قاسية، تبدأ من ضعف الدخل وارتفاع تكاليف الحياة، ولا تنتهي عند القلق من تراجع القوة الشرائية لليرة السورية والتقلبات التي تشهدها أسواق الصرف.

وهنا يبرز سؤال مشروع: لماذا لا تنعكس الأرقام الاستثمارية الكبيرة التي تتصدر الأخبار على الواقع الاقتصادي الذي يعيشه السوريون؟

الليرة السورية.. المؤشر الذي يقلق المواطن

لعل أكثر ما يثير القلق في المشهد الاقتصادي السوري هو استمرار هشاشة قيمة العملة الوطنية، وما يرتبط بها من ضغوط على الأسعار والقدرة الشرائية.

ومع الحديث عن تراجع قيمة الليرة خلال الآونة الأخيرة، يعود القلق إلى الأسواق والأسر التي تعتمد على دخل محدود بالعملة المحلية، خصوصًا أن الاقتصاد السوري لا يزال شديد التأثر بتكاليف الاستيراد وتوافر العملات الأجنبية.

وتجدر الإشارة إلى أن بيانات سعر الصرف الرسمي لا تكفي وحدها لإثبات حجم أي انخفاض حديث، إذ ينبغي التمييز بينها وبين الأسعار المتداولة في السوق الموازية. لكن المشكلة الأعمق لا تتوقف عند سعر الدولار مقابل الليرة، وإنما تتعلق بما تستطيع العملة الوطنية تأمينه من احتياجات أساسية للمواطن.

فقد يستقر سعر الصرف نسبيًا دون أن تتحسن معيشة الناس، إذا استمرت أسعار السلع والخدمات في الارتفاع أو بقيت الأجور عاجزة عن مواكبة تكاليف الحياة.

ومن هنا فإن استعادة الثقة بالليرة السورية لا تتحقق بالتصريحات وحدها، بل تحتاج إلى زيادة الإنتاج المحلي، وتحسين الميزان التجاري، وتعزيز النشاط الاقتصادي، وتهيئة الظروف التي تسمح بتدفق العملات الأجنبية عبر قنوات مستدامة.

إعادة الإعمار.. أرقام ضخمة وتحديات أكبر

قدّر البنك الدولي تكلفة إعادة إعمار الأصول المادية المتضررة في سوريا بنحو 216 مليار دولار، وهو رقم يعكس حجم الدمار الذي خلفته سنوات الحرب الطويلة.

لكن إعادة الإعمار لا تعني مجرد ترميم الأبنية وإصلاح الطرق والجسور، وإنما تتطلب إعادة تشغيل الاقتصاد، وتأهيل البنية التحتية، واستعادة الخدمات الأساسية، وخلق فرص العمل.كما أن ضخ الأموال في المشاريع الكبرى، رغم أهميته، لا يكفي وحده لإنعاش الاقتصاد ما لم يرافقه تحسن في الإنتاج والاستقرار النقدي والقدرة الشرائية.

فسوريا لا تحتاج إلى إعادة بناء الحجر وحده، بل إلى إعادة بناء دورة اقتصادية متكاملة تستطيع توفير الدخل وتحريك الأسواق وإعادة الثقة بالمستقبل.

بين الاستثمارات المعلنة والأموال التي دخلت الاقتصاد فعليًا

شهدت سوريا الإعلان عن اتفاقيات ومشاريع استثمارية متعددة، بعضها يحمل إمكانيات اقتصادية واعدة ويمكن أن يشكل فرصة مهمة لدعم مرحلة التعافي.

ومن الإنصاف القول إن المشاريع الكبرى تحتاج إلى دراسات وتمويل وإجراءات قانونية وفنية قد تستغرق وقتًا قبل أن تبدأ نتائجها بالظهور.

لكن من الضروري أيضًا التمييز بين قيمة المشاريع المعلنة، وحجم التمويل الذي تم تأمينه فعلًا، والأموال التي دخلت الاقتصاد، والمشاريع التي انتقلت إلى مرحلة التنفيذ.

فمذكرة التفاهم ليست بالضرورة عقدًا نهائيًا، والعقد الموقع لا يعني أن كامل قيمته أصبح متاحًا، كما أن بدء تنفيذ المشروع لا يعني أن أثره الاقتصادي سيظهر بصورة فورية.

ولهذا فإن الشفافية في نشر مراحل التنفيذ ونسب الإنجاز وحجم الإنفاق الفعلي تمثل ضرورة اقتصادية وإعلامية، وليست مجرد مطالبة شكلية.

هل تكفي الاستثمارات الخارجية لإنقاذ الاقتصاد السوري؟

من الطبيعي أن تتطلع سوريا إلى جذب رؤوس الأموال العربية والدولية للمساهمة في إعادة الإعمار، خصوصًا أن حجم الاحتياجات يتجاوز الإمكانيات المحلية المتاحة.

لكن الاستثمارات الخارجية ليست بديلًا عن بناء اقتصاد وطني منتج، كما أن الدول والشركات تتخذ قراراتها الاقتصادية بناءً على اعتبارات متعددة تشمل الاستقرار والعائد المالي والمخاطر والبيئة التشريعية.

ولذلك فإن المطلوب ليس انتظار تدفقات مالية خارجية باعتبارها الحل الوحيد، بل العمل بالتوازي على تحفيز الإنتاج الزراعي والصناعي، وتشجيع المشاريع الصغيرة والمتوسطة، والاستفادة من خبرات ورؤوس أموال السوريين في الداخل والخارج.فكل مصنع يعود إلى الإنتاج، وكل أرض زراعية تستعيد نشاطها، وكل مشروع يوفر فرص عمل حقيقية، يمكن أن يساهم في تعزيز الاقتصاد وتقليل الاعتماد على الاستيراد.

المواطن السوري لا ينتظر الأبراج والفنادق

من الطبيعي أن تكون للمشاريع السياحية والعقارية الكبرى مكانة في خطط التنمية، فهي قد توفر فرص عمل وتجذب الاستثمارات وتساهم في تنشيط قطاعات اقتصادية أخرى.

لكن أولويات المواطن السوري تبدو اليوم أكثر إلحاحًا.

فهو يحتاج إلى كهرباء مستقرة، ومياه نظيفة، ومستشفى يقدم العلاج، ومدرسة مناسبة لأطفاله، وفرصة عمل تؤمن له حياة كريمة.

والأهم من ذلك أن يكون دخله قادرًا على تأمين احتياجات أسرته دون أن يعيش في قلق دائم من ارتفاع الأسعار أو تراجع قيمة مدخراته.

فما الجدوى من الحديث عن مشاريع بمليارات الدولارات إذا بقيت شريحة واسعة من المواطنين عاجزة عن تأمين أساسيات الحياة؟

هذا السؤال لا يقلل من أهمية المشاريع الكبرى، لكنه يدعو إلى تحقيق التوازن بين الاستثمارات طويلة الأجل والاحتياجات المعيشية العاجلة.المسؤولية مشتركة والواقع يحتاج إلى مصارحة

لا يمكن تحميل جهة واحدة مسؤولية التعافي الاقتصادي السوري، كما لا يمكن تجاهل التعقيدات السياسية والاقتصادية التي تراكمت خلال سنوات طويلة من الحرب.

فالمرحلة الحالية تحتاج إلى تعاون بين المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص والمستثمرين والمجتمع المدني، وإلى دعم إقليمي ودولي قائم على المصالح المشتركة والالتزامات الواضحة.وتحتاج كذلك إلى تطوير البيئة القانونية، وتعزيز الشفافية، ومكافحة الفساد، وتبسيط الإجراءات الإدارية، وتوفير ضمانات تشجع المستثمرين على تحويل خططهم إلى مشاريع فعلية.

ومن غير الواقعي توقع معالجة كل هذه التحديات خلال فترة قصيرة، لكن الاعتراف بصعوبة المرحلة لا يتعارض مع حق المواطن في مساءلة المؤسسات المعنية عن الخطط والإنجازات والتحديات.

فالمصارحة الاقتصادية ليست انتقاصًا من الجهود المبذولة، بل عنصر أساسي لبناء الثقة بين المواطن والمؤسسات.

الإعلام بين صناعة الأمل ورفع سقف التوقعات

لا يمكن تجاهل الدور الذي تلعبه وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي في تشكيل توقعات السوريين تجاه مستقبل بلادهم.

فحين يجري تداول أرقام استثمارية ضخمة دون توضيح طبيعتها ومراحل تنفيذها، قد يعتقد المواطن أن هذه الأموال أصبحت بالفعل جزءًا من الاقتصاد السوري، وأن نتائجها ستظهر خلال أسابيع أو أشهر.

وحين تتأخر النتائج، تتحول التوقعات المرتفعة إلى شعور بالإحباط، حتى وإن كانت بعض المشاريع تسير ضمن مراحلها الطبيعية.

ولهذا فإن الإعلام المسؤول مطالب بتقديم المعلومات بدقة، والتمييز بين الإعلان والتنفيذ، وبين الاستثمار والمساعدة المالية، وبين الأرقام المتوقعة والنتائج المحققة.

فالناس بحاجة إلى الأمل، لكنهم بحاجة أكبر إلى الحقيقة.إعادة بناء الإنسان قبل الحجر

ربما يكون التحدي الأكثر تعقيدًا في سوريا اليوم هو إعادة بناء الإنسان والمجتمع بعد سنوات طويلة من الحرب والنزوح والفقر وتراجع الخدمات التعليمية والصحية.

فإصلاح البنية التحتية، رغم تكلفته العالية، قد يكون أسرع من معالجة الآثار الاجتماعية والاقتصادية التي خلفتها الحرب على أجيال كاملة.

ومن هنا ينبغي أن يكون التعليم والتدريب المهني والرعاية الصحية ودعم الشباب واستعادة الكفاءات السورية في مقدمة أولويات إعادة الإعمار.

فلا يمكن بناء اقتصاد قوي دون قوة عاملة مؤهلة، ولا يمكن تحقيق تنمية مستدامة دون مجتمع يشعر بالأمان والاستقرار وتكافؤ الفرص.

سوريا بحاجة إلى إنجازات يلمسها الناس

ليس المطلوب التقليل من أهمية الاتفاقيات الاقتصادية أو التشكيك المسبق في نوايا المستثمرين، كما ليس من الإنصاف تجاهل حجم التحديات التي تواجه البلاد.

لكن المعيار الحقيقي لنجاح أي سياسة اقتصادية يجب أن يكون أثرها على حياة المواطنين، وليس فقط حجم الأموال التي يجري الإعلان عنها.

فالاقتصاد لا يقاس بعدد المؤتمرات والتوقيعات وحدها، بل بمستوى الإنتاج، واستقرار الأسواق، وتحسن القدرة الشرائية، وخلق فرص العمل، وتطور الخدمات الأساسية.

والسوريون الذين تحملوا سنوات طويلة من الحرب والمعاناة يستحقون أن يكونوا في قلب أي مشروع لإعادة الإعمار، لا مجرد متفرجين على أخبار المشاريع والاتفاقيات.

ويبقى السؤال الأهم: متى تتحول المليارات المعلنة إلى مصانع تعمل، ومنازل تُرمم، وفرص عمل تُخلق، وعملة وطنية تستعيد ثقة الناس، وحياة كريمة يشعر بها المواطن السوري في تفاصيل يومه؟

فإعادة الإعمار الحقيقية لا تبدأ عندما تُعلن المليارات أمام الكاميرات، وإنما عندما يشعر السوري بأن دخله أصبح أكثر قدرة على تلبية احتياجاته، وأن مستقبل أسرته بات أكثر استقرارًا وأمانًا.

كاتب

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى