
لاهاي – محمد رائد كعكة
عقدت الهيئة الوطنية للمفقودين في سوريا، يوم الخميس 8 أكتوبر 2026، جلسة مشاورات في مدينة لاهاي الهولندية، ضمن سلسلة لقاءات تشاورية تهدف إلى مناقشة المبادئ الأساسية لمشروع قانون شؤون المفقودين والمختفين قسراً، بمشاركة عائلات المفقودين وأصحاب المصلحة، في إطار مساعٍ لوضع تشريع وطني شامل يعالج واحداً من أكثر الملفات الإنسانية تعقيداً في سوريا.
وتأتي هذه المشاورات انطلاقاً من مبدأ الشراكة مع أسر المفقودين بالدرجة الأولى، باعتبارهم الأطراف الأكثر تأثراً بهذه القضية، وضرورة إشراكهم في صياغة الإطار القانوني الذي سيحدد آليات البحث عن المفقودين وكشف مصيرهم، ويضمن حقوقهم وحقوق عائلاتهم.
قانون يشمل جميع المفقودين دون تمييز
تناولت الجلسة مجموعة من المحاور القانونية والإنسانية، أبرزها تحديد نطاق القانون والفئات المشمولة بأحكامه، ووضع تعريف قانوني واضح للمفقود، إلى جانب مناقشة الولاية الزمانية والمكانية للهيئة، بما يحدد نطاق عملها وصلاحياتها في التعامل مع حالات الفقد المختلفة.
وشكّل مبدأ عدم التمييز أحد أبرز محاور النقاش، حيث جرى التأكيد على أهمية أن يشمل البحث جميع المفقودين، بصرف النظر عن خلفياتهم السياسية أو الدينية أو الاجتماعية أو الجهة المسؤولة عن فقدانهم.
كما تناولت المشاورات ضرورة دراسة مختلف حالات الفقد، وعدم حصر عمل الهيئة بفئة معينة أو بظروف محددة، بما يضمن التعامل مع هذا الملف باعتباره قضية إنسانية وحقوقية تتطلب مقاربة شاملة وعادلة.
عائلات المفقودين في صلب العملية
خصص جانب مهم من النقاش لحقوق المفقودين وعائلاتهم، وفي مقدمتها الحق في معرفة الحقيقة وكشف المصير، والمشاركة الفعلية في عمليات البحث والمتابعة، فضلاً عن معالجة الآثار الإنسانية والاجتماعية والقانونية والاقتصادية المترتبة على حالات الفقد.
كما ناقش المشاركون آليات دعم عائلات المفقودين وتمكينها، بما يتيح لها أداء دور فاعل في مختلف مراحل العمل، بدلاً من اقتصار مشاركتها على تقديم المعلومات أو انتظار نتائج التحقيقات.
وتطرقت الجلسة كذلك إلى الإجراءات القانونية والعملية اللازمة للبحث عن المفقودين، وجمع المعلومات وتوثيق الحالات والتحقق منها، وصولاً إلى كشف المصير وتوفير الإجابات التي تنتظرها آلاف الأسر السورية.
استقلال الهيئة وضمان صلاحياتها
وفي الجانب المؤسسي، ناقشت الجلسة الأساس القانوني لعمل الهيئة الوطنية للمفقودين، التي أُنشئت بموجب المرسوم الرئاسي رقم 19 لعام 2025، والذي منحها الشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري، وحدد مهامها الأساسية في البحث عن المفقودين والمختفين قسراً وتوثيق حالاتهم وتقديم الدعم لعائلاتهم.
كما تناولت المشاورات أهمية ترسيخ استقلال الهيئة وعدم تبعيتها لأي وزارة أو جهة حكومية، مع بحث طبيعة العلاقة الرقابية مع رئاسة الجمهورية، بما يحافظ على استقلال قرارات الهيئة وآليات عملها، ويعزز قدرتها على أداء مهامها بعيداً عن التدخلات السياسية والإدارية.
مشاورات داخل سوريا وخارجها
وتندرج جلسة لاهاي ضمن مسار تشاوري أوسع بدأ بسلسلة اجتماعات داخل الأراضي السورية، وامتد إلى عدد من الدول التي تستضيف تجمعات كبيرة من السوريين، من بينها لبنان وتركيا وهولندا وألمانيا.
ويهدف هذا التوسع في المشاورات إلى الاستماع لأكبر شريحة ممكنة من عائلات المفقودين، سواء داخل سوريا أو خارجها، والاستفادة من تجاربها وملاحظاتها في إعداد مشروع قانون يعكس احتياجات المتضررين وتطلعاتهم.
الحق في معرفة المصير.. قضية إنسانية تتجاوز الانقسامات
يمثل ملف المفقودين أحد أبرز التحديات الإنسانية التي تواجه سوريا، ليس فقط بسبب تعقيدات البحث والكشف عن المصير، وإنما أيضاً نتيجة الآثار الممتدة التي تركها الغياب على حياة العائلات، وما يرتبط به من قضايا قانونية واجتماعية ونفسية واقتصادية.
وتكتسب هذه المشاورات أهمية خاصة من اعتمادها مبدأ التشاركية مع أسر المفقودين، والتأكيد على أن الحق في معرفة المصير يجب ألا يخضع لأي تمييز أو اعتبارات سياسية، وأن البحث عن الحقيقة ينبغي أن يشمل جميع الحالات، مهما كانت الجهة التي تسببت بالفقد.
ويبقى التحدي الأبرز في تحويل مخرجات هذه اللقاءات إلى نصوص قانونية واضحة وآليات تنفيذية فعالة، تضمن استقلال الهيئة ومشاركة العائلات، وتفتح الطريق أمام إجابات طال انتظارها، فبالنسبة لآلاف الأسر السورية، لا يمثل الكشف عن مصير المفقودين مجرد إجراء قانوني، بل حقاً إنسانياً أساسياً وخطوة ضرورية نحو الإنصاف واستعادة الثقة وبناء مستقبل أكثر عدالة.





