
الصحفي : محمد رائد كعكة
وسط الحديث المتصاعد عن إعادة إعمار سوريا، والمشاريع الاستثمارية الضخمة، والأبراج السكنية والمجمعات التجارية التي يجري الترويج لها باعتبارها ملامح سوريا الجديدة، يبدو أن هناك سؤالا أكثر إلحاحا لم يجد مكانه الكافي على طاولة الأولويات: كيف يمكن بناء اقتصاد حديث في بلد ما زال فيه الحصول على اتصال مستقر وسريع بالإنترنت تحديا يوميا لملايين المواطنين؟
لا أحد يعارض الاستثمار أو بناء المدن الحديثة، ولا أحد ينكر حاجة سوريا إلى إعادة إعمار ما دمرته سنوات الحرب. لكن اختزال إعادة الإعمار بالمشاريع العقارية باهظة الثمن يحمل خطرا حقيقيا، يتمثل في إعادة بناء الحجر مع إهمال الإنسان، وإنشاء مدن حديثة ظاهريا دون توفير الأدوات التي تمكن سكانها من العمل والإنتاج ومواكبة العالم.
فالوطن لا يعاد إعماره بالإسمنت وحده، بل بإعادة بناء فرص الحياة فيه.
قبل أيام، أثار منشور على مواقع التواصل الاجتماعي قضية تستحق التوقف عندها، بعدما عرض صاحبه نتائج لقياس سرعة الإنترنت باستخدام شرائح اتصال من ألمانيا وتركيا وسوريا. وبينما تجاوزت سرعة التحميل في التجربتين الألمانية والتركية 200 ميغابت في الثانية، سجلت الشريحة السورية سرعة تقل عن ميغابت واحد.
صحيح أن تجربة فردية لا تكفي للحكم على أداء شبكة اتصالات كاملة، وأن السرعات تختلف باختلاف الموقع والتغطية والظروف التقنية، لكن الأرقام المطروحة تعيد فتح نقاش أوسع حول واقع الاتصالات في سوريا، والفجوة بين طموحات التحول الرقمي والخدمة التي يحصل عليها المواطن فعليا.
والمشكلة هنا لا تتعلق بالرفاهية أو بسرعة مشاهدة مقاطع الفيديو، بل بمستقبل اقتصادي كامل قد يبقى معطلا بسبب ضعف البنية الرقمية.
في عالم اليوم، لم تعد الوظيفة مرتبطة بمكتب أو مصنع أو متجر. يستطيع شاب يمتلك حاسوبا واتصالا جيدا بالإنترنت أن يعمل في البرمجة أو التصميم أو الترجمة أو التسويق الإلكتروني أو المونتاج، وأن يقدم خدماته لشركات وعملاء في مختلف أنحاء العالم، دون أن يغادر منزله أو يحتاج إلى رأس مال كبير.
تخيلوا حجم الفرص التي يمكن أن تفتح أمام الشباب السوري إذا توفرت لهم بنية اتصالات موثوقة، وأسعار عادلة، ووسائل دفع إلكترونية تسمح لهم باستقبال أجورهم من الخارج.
آلاف الفرص قد تصبح ممكنة، وآلاف الأسر قد تجد مصادر دخل جديدة، دون انتظار وظيفة حكومية أو مشروع استثماري ضخم أو مساعدات خارجية.
وهنا تكمن المفارقة المؤلمة: نبحث عن الاستثمارات الأجنبية بملايين الدولارات، بينما قد نعجز عن تمكين شاب سوري من إدخال بضع مئات من الدولارات شهريا إلى بلده من خلال عمله عبر الإنترنت.
إن هذا الشاب لا يطلب من الدولة راتبا، ولا ينتظر منها أن تؤمن له مكتبا أو سيارة أو حتى فرصة عمل. كل ما يحتاجه هو بيئة تسمح له باستخدام مهاراته، وفي مقدمتها إنترنت سريع ومستقر ومتاح بتكلفة معقولة.
ومن المؤسف أن تتحول خدمة أساسية كهذه إلى عقبة إضافية أمام جيل دفع بالفعل ثمنا باهظا من سنوات عمره ومستقبله.
وللإنصاف، لا يمكن تجاهل حجم الدمار الذي أصاب البنية التحتية السورية، ولا توقع معالجة تراكمات سنوات طويلة خلال أشهر قليلة. كما أن الإعلان عن مشاريع لتطوير شبكات الألياف الضوئية والاتصالات يمثل خطوة إيجابية تستحق التشجيع.
لكن ما يحتاجه المواطن اليوم ليس المزيد من الوعود وحدها، بل نتائج ملموسة، وجداول زمنية واضحة، وشفافية في الأسعار وجودة الخدمة.
وهنا تبرز مسؤولية الجهات المعنية بقطاع الاتصالات، التي يفترض أن تنظر إلى الإنترنت باعتباره أداة إنتاج وطنية، لا مجرد خدمة استهلاكية تدر الإيرادات.
فنجاح أي وزارة لا يقاس بعدد المؤتمرات التي تنظمها أو الاتفاقيات التي تعلن عنها، وإنما بمدى انعكاس سياساتها على حياة الناس.
ومن حق المواطن أن يعرف متى ستتحسن الخدمة في منطقته، ولماذا يدفع ما يدفعه، وما المعايير التي تراقب بها جودة الشبكات، وكيف ستتم حماية المستهلك من دفع تكاليف لا تتناسب مع مستوى الخدمة.
وإذا كانت الدولة جادة في إعادة بناء الاقتصاد، فإن الاستثمار في البنية الرقمية يجب أن يحظى بأهمية لا تقل عن الاستثمار في الطرق والمطارات والعقارات، وربما يكون أكثر إلحاحا في هذه المرحلة، لأن تطوير الاتصالات يفتح المجال أمام المشاريع الصغيرة والعمل الحر والتعليم عن بعد والخدمات الإلكترونية، ويساعد على ربط الكفاءات السورية داخل البلاد بالأسواق العالمية.
وليس المطلوب أن نتوقف عن بناء الأبراج والمجمعات السكنية، بل أن نعيد النظر في ترتيب الأولويات، وأن نسأل أنفسنا عن جدوى المشاريع التي تكلف ملايين الدولارات في بلد ما زال كثير من شبابه يبحثون عن أبسط الوسائل التي تمكنهم من كسب رزقهم.
فسورية لا تحتاج فقط إلى واجهات زجاجية لامعة وأحياء سكنية فاخرة، بل تحتاج قبل ذلك إلى اقتصاد يمنح الناس القدرة على العمل والعيش داخل هذه المدن. ومن الصعب الحديث عن تحول اقتصادي حقيقي بينما يواجه شاب سوري صعوبة في إجراء مقابلة عمل عبر الإنترنت، أو المشاركة في اجتماع مع عميل خارج البلاد، أو إرسال مشروع أنجزه بعد ساعات طويلة من العمل.
ربما حان الوقت لأن تنظر وزارة الاتصالات إلى هذه التفاصيل الصغيرة من حياة المواطنين باعتبارها مؤشرات على نجاح خططها أو تعثرها، لا مجرد شكاوى عابرة على مواقع التواصل الاجتماعي.
فالمواطن لا يعنيه كثيرا حجم الاستثمارات المعلنة أو أسماء الشركات المتعاقد معها، بقدر ما يعنيه أن يحصل على خدمة جيدة بسعر يستطيع تحمله.
وأعتقد أن إعادة إعمار سوريا ستبقى منقوصة ما لم تترافق المشاريع العمرانية مع استثمارات حقيقية في الإنسان والتعليم والتكنولوجيا وفرص العمل. فلا معنى لأن ننفق الملايين على تشييد أبراج حديثة، ثم نترك شابا يمتلك المهارة والطموح عاجزا عن العمل من منزله بسبب اتصال ضعيف بالإنترنت. وقد يكون توفير هذه الفرصة البسيطة أكثر فائدة للاقتصاد السوري من كثير من المشاريع التي تتصدر اليوم العناوين والصور.





