هل نحن في سورية بخير؟

الصحفي محمد رائد كعكة 

من الصعب إنكار ذلك الشعور الثقيل الذي يخيّم على المزاج العام في سورية اليوم؛ إحساس غامض لكنه جارح، بأن شيئًا ما يسير على غير ما ينبغي، وبأن المسار القائم لا يبشّر بخير. قد لا يستند هذا الشعور دائمًا إلى أرقام أو تقارير موثّقة، لكنه يتغذّى من واقع يومي يلمسه المواطن في تفاصيل حياته، ولا سيما في التدهور المتسارع للخدمات الأساسية خلال الأشهر الأخيرة، بما يوحي أحيانًا بأن القرارات المتخذة تمضي عكس مصلحة الناس لا في اتجاهها.

لقد أصبحت الفجوة بين القرارات الحكومية والواقع المعيشي للمواطن فجوةً صادمة؛ فسياسات لا تراعي القدرة الشرائية المنهارة، وإجراءات تمسّ مباشرةً حياة الناس اليومية، تُفرض دون اكتراث بحدود الاحتمال الاجتماعي. وهذا ما عمّق الشعور بأن السلطة تعيش في تصورٍ نظريّ للواقع، لا في الواقع ذاته.

ولعل من أبرز مصادر الإحباط تلك الوعود المبالغ فيها التي روّجت لفكرة أن بعض المحافظات الشرقية تمثّل كنزًا اقتصاديًا قادرًا على إنعاش البلاد سريعًا. غير أن اصطدام هذه الصورة المتخيلة بحقيقة محافظات منهكة لا تختلف في معاناتها عن سائر المناطق، أدى إلى ارتدادٍ نفسيّ سلبيّ قاسٍ على ثقة الناس، وكشف نتائج سياسات التهويل والتضخيم التي طالما استُخدمت لتسكين الآمال لا لمعالجة الأزمات.

كما ساهمت المظاهر الاحتفالية الشكلية، من مهرجانات دعائية وحملات تبرعات استعراضية، في تعميق فقدان الثقة بين المجتمع والقيادة، إذ بدا أنها تحاول صناعة إنجاز رمزيّ بدل تحقيق إنجاز فعلي. ويزداد القلق حين تُدار الشؤون العامة عبر كوادر غير مؤهلة، أو حين تتدخل الأطر السياسية في تفاصيل الحياة اليومية دون كفاءة أو رؤية، بما ينذر بعواقب إدارية واجتماعية جسيمة.

أما خارجيًا، فإن التردد الإقليمي والدولي في دعم التجربة السورية الجديدة لا يبدو منفصلًا عن غياب الضمانات القانونية والمؤسساتية للاستثمار، ولا عن الخشية من إعادة إنتاج نمط الحكم المركزي الشخصاني الذي أثبت فشله في المنطقة. فالثقة الدولية لا تُبنى بالشعارات ولا بالمناورات بين المحاور المتنافسة، بل بإطار قانوني شفاف ومستقر، وبسياسة خارجية واقعية لا تقوم على محاولة إرضاء الجميع في آنٍ واحد.

وعلى الرغم من أن سقوط النظام السابق أتاح تحولات إيجابية مهمة، مثل توقف الحرب واتساع هامش الأمان وعودة جزء من المهجّرين، فإن هذه التحولات هي نتائج طبيعية لانتهاء مرحلة القمع والعنف، وليست إنجازات استثنائية تُسجَّل لحكومة انتقالية. بل إن بعض ملفات المرحلة الانتقالية أُديرت بطريقة مقلقة، كالتعامل المرتبك مع الأرشيف الأمني والسجون والمقابر الجماعية، أو إغلاق قضايا شديدة الحساسية على عجل، وهو ما يهدد مستقبل العدالة الانتقالية ويترك جروحًا مفتوحة في ذاكرة المجتمع.

إن سورية اليوم بلد منهك، مدمر، مثقل بالخسائر. ولا عاقل يتوقع معجزات في عام أو عامين. غير أن ما ينتظره الناس ليس المعجزات، بل الصدق: صدق الاعتراف بعمق الأزمة، وصدق السياسات التي تنطلق من واقع الفقر والاحتياج لا من أوهام التحول السريع إلى نماذج الازدهار العالمي. فالشعوب التي أنهكتها الحروب لا تحتاج إلى أحلام كبرى بقدر ما تحتاج إلى حكومة تشاركها ثقل الأرض، وتسعى أولًا إلى ضمان أساسيات العيش الكريم: الغذاء، والخدمات، والكرامة.

فهل نحن في سورية بخير؟

الجواب الصادق أن الخير ليس في الشعارات ولا في المقارنات الطموحة، بل في القدرة على مواجهة الحقيقة دون تزييف. والخير يبدأ حين يشعر المواطن أن دولته تقف معه في القاع الذي يعيشه، لا في القمم التي تُحدّثه عنها. حينها فقط يمكن أن يبدأ الصعود الحقيقي.

كاتب

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى