
الصحفي خالد فيصل الطويل
ماذا نُسمي ذلك التحوّل الصادم؟
حين يتحوّل من قُدِّم يوماً بوصفه “ثائراً” أو “مجاهداً”، إلى رجل أعمال مفاجئ، يظهر بعد سنوات الحرب والنزوح بسيارات فارهة ومشاريع لا يحلم بها من أفنى عمره في العمل الشريف؟
ليست المشكلة في النجاح بحد ذاته، ولا في أن يتحسن حال إنسان بعد سنوات من المعاناة. المشكلة تبدأ حين يصبح هذا التحسن قفزة غير مفهومة، بلا تفسير، بلا سياق، وبلا شفافية. حين يتحول المشهد إلى استفزاز علني لملايين السوريين الذين ما زالوا حتى اليوم يكافحون لتأمين أبسط مقومات الحياة.
كيف يمكن تفسير هذه الثروات التي ظهرت فجأة؟ من أين جاءت؟ وكيف تراكمت بهذه السرعة، في زمن كان فيه معظم السوريين يخسرون كل شيء؟
هذه الأسئلة ليست ترفاً، وليست بدافع الحسد كما قد يحاول البعض تصويرها. إنها جوهر العدالة. بل أكثر من ذلك: إنها اختبار أخلاقي حقيقي لأي رواية عن “الثورة” وما رافقها.
حين يظهر ((قائد ميداني))سابق وهو يفتتح المشاريع ويشتري العقارات وكأنه أحد كبار المستثمرين، فإن المسألة تتجاوز الشبهة الفردية، لتتحول إلى قضية عامة تمس ثقة الناس بكل ما حدث. فإما أن هناك فساداً واستغلالاً ممنهجاً لسنوات الدم والمعاناة، أو أن هناك حقائق غائبة يجب كشفها فوراً وبوضوح.
الصمت هنا ليس حياداً، الصمت تواطؤ.
ومن يتجاهل هذه الأسئلة، أو يحاول إسكاتها، يشارك -بقصد أو بدونه- في ترسيخ واقع خطير: واقع يفلت فيه الأقوياء من المساءلة، بينما يدفع الضعفاء الثمن وحدهم.
الأخطر من ذلك، أن هذه النماذج، رغم أنها لا تمثل الجميع، تترك أثراً عميقاً في الوعي العام. فهي لا تسيء فقط إلى صورتها الشخصية، بل تسيء إلى كل من ضحّى بصدق، إلى كل من فقد بيته، أو أهله، أو مستقبله، دون أن يخرج من ذلك بثروة أو نفوذ.
هي طعنة معنوية في قلب معاناة شعب كامل.لكن، وسط هذا المشهد القاتم، لا بد من التمسك بالحقيقة التي يحاول البعض طمسها وهي: ليس الجميع كذلك.
هناك من خاضوا التجربة نفسها، وعادوا منها كما دخلوها أو أقل. خسروا كل شيء، ولم يربحوا سوى كرامتهم. لم يمتلكوا مشاريع، ولا سيارات فاخرة، لكنهم امتلكوا ما هو أثمن: نظافة اليد وصدق الموقف.
هؤلاء هم المعيار الحقيقي، لا الاستثناء الذي يجب تبريره.
فتح هذا الملف لم يعد خياراً، بل ضرورة.
أي سلطة قادمة، وأي مشروع سياسي جاد، لن يكتسب شرعيته ما لم يواجه هذا السؤال بوضوح: من أين لكم هذا؟!! ليس بدافع الانتقام، بل من أجل العدالة. وليس لتصفية الحسابات، بل لإعادة بناء الثقة التي تآكلت. فالأوطان لا تُبنى على الصمت.. بل على العدالة.




