دعا الملك فيليم ألكسندر، في خطاب العرش بمناسبة يوم الأمير، إلى حماية الديمقراطية واستعادة ثقة المواطنين، فيما كشفت الحكومة عن أولوياتها لعام 2027، وفي مقدمتها بناء المساكن وضبط الهجرة ودعم القدرة الشرائية وتعزيز الدفاع والاستثمار في الاقتصاد الأخضر والتكنولوجيا.
لاهاي – محمد رائد كعكة
افتتح الملك الهولندي فيليم ألكسندر، السنة البرلمانية الجديدة بإلقاء خطاب العرش في المسرح الملكي بمدينة لاهاي، بحضور أفراد العائلة المالكة وأعضاء مجلسي النواب والشيوخ.
ورغم أن الملك هو من يلقي الخطاب رسمياً، فإن الحكومة الهولندية هي التي تُعِد مضمونه، ليشكل عرضاً عاماً لأبرز توجهاتها وخططها السياسية والاقتصادية للسنة المقبلة.
الديمقراطية في مواجهة الاستقطاب
استهل الملك الخطاب بالتأكيد على أن الديمقراطية لا تقتصر على حصول طرف على أغلبية «النصف زائد واحد»، بل تقوم على التعاون والاستعداد لتقديم التنازلات واحترام آراء الآخرين.
وحذّر الخطاب من تصاعد الاستقطاب في المجتمع الهولندي، مشدداً على أن الديمقراطية يجب أن توحّد المواطنين بدلاً من وضعهم في مواجهة بعضهم بعضاً.
كما أشار إلى أن أحد أهم التحديات التي تواجه الحكومة والبرلمان هو استعادة ثقة المواطنين بقدرة السياسة على معالجة مشكلاتهم الفعلية. ودعا الأحزاب، بما فيها أحزاب المعارضة، إلى التعاون في ملفات ظلت من دون حلول فترة طويلة.
تحرك لكسر أزمة النيتروجين
احتلت أزمة انبعاثات النيتروجين موقعاً بارزاً في الخطاب، إذ وصفتها الحكومة بأنها قضية تعطل هولندا منذ سنوات، وتمنع إصدار التصاريح اللازمة لبناء المساكن والطرق وتنفيذ المشروعات الاقتصادية.
وأعلنت الحكومة تمسكها بخفض الانبعاثات في قطاعات الصناعة والنقل وتربية الماشية، مع تخصيص دعم مالي للمزارعين، ولا سيما القريبين من المناطق الطبيعية الهشة.
وأكد الخطاب أن المزارعين يستحقون الوضوح ورؤية مستقبلية مستقرة، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن تأجيل القرارات مرة أخرى لم يعد خياراً مسؤولاً.
الإسراع في بناء المساكن
أقر الخطاب بحدة أزمة السكن وصعوبة حصول أعداد متزايدة من المواطنين، وخصوصاً الشباب، على منزل مناسب بسعر يمكن تحمله.
وقالت الحكومة إن الحل الأساسي يتمثل في بناء أكبر عدد ممكن من المساكن وبأسرع وقت، ولمختلف الفئات الاجتماعية. غير أن تنفيذ هذه الخطط سيظل مرتبطاً بقدرة الحكومة على تجاوز أزمة النيتروجين واستئناف إصدار تصاريح البناء.
تشديد سياسة اللجوء والهجرة
في ملف اللجوء، حددت الحكومة ثلاثة أهداف رئيسية: خفض أعداد الوافدين، وتنظيم مراكز الاستقبال، وتطبيق سياسة أكثر صرامة لإعادة من رُفضت طلبات لجوئهم أو لا يملكون فرصة للحصول على تصريح إقامة.
وفي المقابل، أكد الخطاب ضرورة استمرار هولندا في توفير الحماية للأشخاص الفارين من الحروب والعنف والاضطهاد.
وأوضحت الحكومة أن نتائج إجراءات الحد من الهجرة لن تظهر بين ليلة وضحاها، بل بصورة تدريجية. كما أدانت التهديدات وأعمال العنف المرتبطة بالاحتجاجات على مراكز استقبال طالبي اللجوء، داعية البلديات إلى تقاسم المسؤولية وتخفيف الضغط عن مركز تير أبِل والمناطق الأخرى التي تحملت أعباء الاستقبال فترة طويلة.
دعم القدرة الشرائية… ضمن حدود الميزانية
وعدت الحكومة باتخاذ إجراءات موجهة لدعم القدرة الشرائية للأسر، وخصوصاً العائلات التي لديها أطفال، من خلال صندوق طوارئ الطاقة ومخصصات الأطفال.
لكن الخطاب حمل أيضاً رسالة واضحة مفادها أن الحكومة لا تستطيع حل جميع المشكلات دفعة واحدة، في ظل محدودية الموارد وحرصها على عدم تحميل الأجيال المقبلة ديوناً عامة مرتفعة.
وأكدت الحكومة أن تحسين مستوى معيشة المواطنين اليوم لا ينبغي أن يأتي على حساب فرص الأبناء والأحفاد في المستقبل.
إصلاح الرعاية والضمان الاجتماعي
في قطاع الصحة، دعت الحكومة إلى منح الوقاية اهتماماً أكبر، وضبط تكاليف الرعاية الصحية ومكافحة الاحتيال، مع الحفاظ على جودة الخدمات وإمكانية حصول الجميع عليها.
كما تعهدت بالعمل مع البلديات لضمان استمرار خدمات رعاية الشباب لكل من يحتاج إليها.
أما في مجال الضمان الاجتماعي، فتريد الحكومة إصلاح نظام التأمينات والإعانات حتى لا يبقى من يفقد وظيفته أو يعجز عن العمل بسبب المرض عالقاً بصورة دائمة داخل النظام. كما تسعى إلى التوصل لاتفاق اجتماعي واسع مع النقابات وأصحاب العمل حول مستقبل سوق العمل والضمان الاجتماعي.
قانون جديد للعاملين المستقلين
أعلنت الحكومة إعداد قانون جديد للعاملين المستقلين، المعروفين في هولندا باسم “ZZP’ers”، بهدف توفير مزيد من الوضوح القانوني لهم وللشركات المتعاقدة معهم.
ومن المفترض أن يحافظ القانون على حرية العمل المستقل، بالتوازي مع مكافحة «العمل الحر الوهمي»، الذي يُسجل فيه الشخص كعامل مستقل رغم أنه يؤدي فعلياً عمل موظف دائم.
زيادة الإنفاق الدفاعي واستمرار دعم أوكرانيا
في ظل الحرب في أوكرانيا والتوترات في غزة وإيران ومناطق أخرى، اعتبر الخطاب الأمن أحد الشروط الأساسية لمستقبل هولندا.
وأعلنت الحكومة زيادة الإنفاق الدفاعي مجدداً في ميزانية 2027، وتعزيز التعاون مع الحلفاء لرفع القدرة العسكرية. كما أكدت مواصلة دعم أوكرانيا، معتبرة ذلك استثماراً مباشراً في أمن هولندا وأوروبا في مواجهة روسيا.
وشدد الخطاب على أهمية عضوية هولندا في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، وعلى ضرورة تقليل الاعتماد الخارجي في مجالات مثل الطاقة والمواد الخام.
مواجهة الهجمات الإلكترونية والجريمة المنظمة
حذّرت الحكومة من تزايد الهجمات الإلكترونية وحملات التضليل والتهديدات القادمة من دول أجنبية وشبكات إجرامية دولية.
وأعلنت أنها ستقدم مقترحات تمكّن أجهزة الاستخبارات من حماية المواطنين والشركات بصورة أفضل من الهجمات السيبرانية والإرهاب والتضليل.
كما أبقت مكافحة الجريمة المنظمة ضمن أعلى أولوياتها، مع تركيز خاص على منع استدراج الشباب إلى شبكات الجريمة، من خلال الجمع بين الإجراءات الأمنية ورعاية الشباب والمساعدة في معالجة الديون.
الاستثمار في الذكاء الاصطناعي والابتكار
اقتصادياً، وصف الخطاب أداء الاقتصاد الهولندي بأنه أكثر قدرة على الصمود مقارنة بعدد من الدول المجاورة، لكنه حذّر من خطر تراجع موقع هولندا مستقبلاً إذا لم تزد استثماراتها في التكنولوجيا والابتكار.
وتخطط الحكومة لإنشاء مؤسسة استثمار وطنية وجهة متخصصة في دعم الاختراقات التكنولوجية، إضافة إلى توسيع فرص التمويل والتجربة أمام الشركات الناشئة.
وأكد الخطاب أن تطورات الذكاء الاصطناعي والرقمنة يجب أن تُدار بأمان ومسؤولية، مع الاستفادة من الفرص الاقتصادية الكبيرة التي توفرها.
كما تريد الحكومة استقطاب وتدريب المواهب في مجالات الذكاء الاصطناعي والطاقة والرقمنة والتكنولوجيا الحيوية، مع الإبقاء على مساحة للطلاب الدوليين والعمال المتخصصين القادمين من الخارج، ومكافحة استغلال العمال المهاجرين.
طاقة نظيفة ومزيد من الاستقلال
بعد صيف شديد الجفاف، شدد الخطاب على الحاجة إلى سياسة مناخية أكثر طموحاً، معتبراً أن التحول إلى الطاقة النظيفة ضرورة بيئية واقتصادية وأمنية.
وتشمل الخطط الحكومية التوسع في الطاقة النووية وطاقة الرياح البحرية، وتطوير الهيدروجين وتخزين ثاني أكسيد الكربون، إلى جانب دعم عزل المنازل وزيادة قدرة شبكة الكهرباء.
وأكدت الحكومة أن الاستمرار في الاعتماد على الاقتصاد القائم على الوقود الأحفوري ليس خياراً اقتصادياً حكيماً على المدى الطويل.
صيانة الطرق والجسور والسكك الحديدية
ستخصص الحكومة أموالاً إضافية لصيانة الطرق والجسور وشبكات السكك الحديدية المتقادمة. لكنها أقرت بأن الميزانية لا تسمح بتنفيذ جميع المشروعات المقترحة، ما يجعل إعادة ترتيب الأولويات واتخاذ قرارات صعبة أمراً ضرورياً.
إلغاء 500 قاعدة سنوياً
وفي محاولة لتقليص البيروقراطية، تعهدت الحكومة بتقديم قانون تبسيط سنوي لإلغاء أو تعديل ما لا يقل عن 500 قاعدة وإجراء.
كما تريد تحسين تبادل المعلومات بين المؤسسات الحكومية، وتوفير خدمات رقمية سريعة حيثما أمكن، مع الحفاظ على الخدمات الشخصية المباشرة لمن يحتاج إليها.
تعاون أوثق داخل المملكة
تناول الخطاب أيضاً العلاقات مع أروبا وكوراساو وسينت مارتن وهولندا الكاريبية، معلناً عقد قمة سنوية لدول المملكة لمناقشة الاقتصاد والأمن المعيشي والمناخ وإدارة النفايات وغيرها من مجالات التعاون.
رسالة الخطاب
عكس خطاب العرش رغبة الحكومة في كسر الجمود الذي يحيط بعدد من الملفات الكبرى، من السكن والنيتروجين والهجرة إلى الضمان الاجتماعي والطاقة والدفاع.
لكن نجاح هذه الخطط سيعتمد بدرجة كبيرة على قدرة الحكومة على الحصول على دعم أحزاب من خارج الائتلاف، وعلى استعداد القوى السياسية لتقديم تنازلات متبادلة.
واختتم الملك خطابه بالدعوة إلى التحلي بالعقلانية والتعاون، مؤكداً أن استعداد الأطراف للاستماع إلى بعضها بعضاً ومنح الآخرين مساحة للحركة يمكن أن يحل مشكلات المواطنين بصورة أفضل من الاستقطاب والجدل السياسي المتواصل.





