
الصحفي خالد فيصل الطويل
في الماضي، كان الإنسان يبحث عن المعلومة. أما اليوم فالمعلومة هي التي تبحث عنه.حيث نستيقظ صباحاً لنجد (الترند) قد سبق وعينا، وتوصيات الفيديوهات تنتظرنا، والمنشورات التي قد تعجبنا، جاهزة بعناية على شاشاتنا. يبدو الأمر مريحاً في الظاهر، لكنه يخفي سؤالاً مقلقاً:
هل ما نراه هو ما اخترناه فعلاً ؟!… أم ما اختارته الخوارزميات لنا؟!
لقد تحولت منصات التواصل الاجتماعي من مجرد أدوات لعرض المحتوى إلى أنظمة ذكية تعيد تشكيل وعينا بشكل يومي. نحن لا نتصفح الإنترنت كما نظن، بل نتنقل داخل ممرات رقمية صممتها خوارزميات تعرف عنا أكثر مما نعرف عن أنفسنا أحياناً.
الخوارزمية اليوم لا تهتم بما هو صحيح أو عميق أو مفيد، بل بما يبقينا أطول وقت ممكن أمام الشاشة. كل نقرة، كل إعجاب، كل ثانية نتوقف فيها أمام مقطع فيديو، تتحول إلى بيانات تُستخدم لبناء نسخة رقمية منا: ماذا نحب، ماذا نكره، ما الذي يغضبنا، وما الذي يجعلنا نعود مجدداً.
المشكلة ليست في التخصيص بحد ذاته، بل في الثمن الفكري الذي ندفعه مقابله.
حين تقرر المنصة ما يجب أن يظهر لك، فهي في الوقت نفسه تقرر ما يجب أن يختفي عنك. وهنا تبدأ أخطر مراحل (الديكتاتورية الرقمية) : عزل الإنسان داخل فقاعة فكرية مغلقة.
الخوارزمية تعرفك أكثر من أقرب الناس إليك.
المستخدم المحافظ يرى محتوى يعزز قناعاته فقط، والليبرالي يعيش داخل عالم يؤكد أفكاره، والمتشائم تغرقه الخوارزمية بمزيد من السلبية، لأن ذلك يزيد التفاعل. النتيجة؟ مجتمعات كاملة لم تعد تتحاور، بل تتقابل عبر جدران إلكترونية سميكة.
الأمر لم يعد مجرد (توصيات ذكية) ، بل إعادة هندسة للوعي الجمعي.
الحرية الرقمية هي الوهم الأكبر في عصر الخوارزميات، حيث فقدنا دهشة الاكتشاف وتحولت أذواقنا إلى أكواد برمجية في سجن التوصيات..
كنا نقول الإنسان (ابن بيئته)، اليوم الإنسان هو (ابن شاشته) !!! حيث أصبحت عقولنا ملكاً لمنصات التواصل… وبتنا ضحايا مغفلين (للترْنَدة )؟!!
في معركة السيطرة على الوعي، أصبحنا لا نرى الحقيقة… بل نسختها المعدلة رقمياً. حيث أصبح الوعي منتجاً رقمياً قابلاً للتوجيه؛ من خلال ديكتاتورية ناعمة تحكم العالم من خلف الشاشات…
ومن المفارقات المثيرة أن المنصات التي رفعت شعار حرية الوصول إلى المعلومات، أصبحت عملياً تتحكم في زاوية الرؤية ذاتها. نحن لا نرى العالم كما هو، بل كما تسمح لنا الخوارزمية أن نراه.
حتى الموسيقى التي نستمع إليها، والأخبار التي نقرؤها، والأشخاص الذين نتابعهم، كل ذلك لم يعد دائماً نتيجة فضولنا الشخصي، بل نتيجة معادلات رياضية معقدة هدفها الأساسي تعظيم الأرباح والإعلانات.
تقنياً، الخوارزميات ليست شريرة. هي مجرد نماذج رياضية تتعلم من سلوكنا. لكن المشكلة الحقيقية تكمن في الجهة التي تحدد أهداف هذه النماذج. عندما يصبح (زمن المشاهدة) أهم من (جودة المحتوى) ، فإن النظام بالكامل يبدأ بمكافأة السطحية، والاستقطاب، والإثارة الرخيصة.
ولهذا نلاحظ اليوم أن المحتوى الهادئ والعميق يختفي تدريجياً، بينما ينتشر الغضب، والجدل، والعناوين الصادمة بسرعة هائلة. فالخوارزمية لا تفهم الأخلاق، لكنها تفهم التفاعل جيداً.
كم مرة دخلت لمشاهدة فيديو واحد، ثم وجدت نفسك بعد ساعة تتنقل بلا وعي بين المقاطع؟
كم مرة شعرت أن المنصات (تقرأ أفكارك) لأن إعلاناً ظهر لك بعد حديث عابر؟
هذا ليس سحراً تقنياً، بل نتيجة تطور هائل في أنظمة تحليل السلوك الرقمي والذكاء الاصطناعي التنبئي.
لقد أصبح المستخدم نفسه منتجاً رقمياً يتم تحليله وتحسين استهلاكه باستمرار.
الأخطر من ذلك أن الأجيال الجديدة تنمو داخل هذا الواقع دون أن تشعر بوجوده أصلاً. الطفل الذي يفتح تطبيقاً اليوم لا يختار ما يشاهده؛ المنصة تختار له منذ اللحظة الأولى. ومع الوقت، تتشكل ذائقته، وانتباهه، وحتى طريقته في التفكير وفق ما تمنحه الخوارزمية من جرعات متتابعة وسريعة من المحتوى.
وهنا يصبح السؤال أكثر إزعاجاً:
إذا كانت آراؤنا تتأثر بما نستهلكه يومياً، والخوارزمية تتحكم بما نستهلكه… فإلى أي مدى ما زالت أفكارنا هي (أفكارنا)فعلاً؟!!
لا أعتقد أننا فقدنا حرية الاختيار بالكامل، لكننا بالتأكيد أصبحنا نمارسها داخل مساحة ضيقة وغير مرئية.
الخطر الحقيقي ليس أن تتحكم الخوارزميات بنا بشكل مباشر، بل أن تجعلنا نظن أننا أحرار تماماً بينما يتم توجيه انتباهنا بهدوء في الاتجاه الذي تريده المنصة.
ما هو الحل؟!!
الحل لا يكمن في الهروب من التكنولوجيا، فهذا مستحيل، بل في استعادة الوعي داخل استخدامها. أن نبحث عمداً عن الآراء المختلفة، أن نكسر دائرة الاقتراحات الجاهزة، وأن ندرك أن (ما يظهر لنا بارتياح) ليس بالضرورة (كل ما هو متاح).
في النهاية، أخطر أنواع الديكتاتورية ليست تلك التي تمنعك من الكلام… بل تلك التي تجعلك تسمع صوتاً واحداً فقط، ثم تقنعك أنه صوت العالم كله.





