
بقلم: دعد المردود
أعادت حادثة الاعتداء على لاجئة فلسطينية حامل داخل مركز لطالبي اللجوء في بلدة زايست الهولندية فتح ملف حساس يتعلق بحدود استخدام القوة من قبل الشرطة والأجهزة الأمنية في هولندا. فالمشهد الذي وثقته مقاطع الفيديو المتداولة، والذي يظهر المرأة وهي تُسحب وتسقط أرضاً خلال تدخل أمني، لم يثر فقط موجة من الغضب والتعاطف، بل أعاد إلى الواجهة أسئلة جوهرية حول مدى التزام المؤسسات الأمنية بمعايير حقوق الإنسان، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالفئات الأكثر هشاشة مثل اللاجئين والنساء الحوامل.
ورغم أن السلطات الهولندية لم تعلن بعد النتائج النهائية للتحقيقات المرتبطة بالحادثة، فإن الجدل الدائر يتجاوز الواقعة ذاتها ليطال نمطاً من الحوادث التي شهدتها البلاد خلال السنوات الأخيرة. فكلما ظهرت تسجيلات توثق استخداماً مثيراً للجدل للقوة، يعود النقاش حول ما إذا كانت هذه الوقائع مجرد أخطاء فردية أم مؤشرات على إشكالية أوسع في آليات الرقابة والتدريب والمحاسبة.
ولعل ما يعزز هذا التساؤل هو استحضار الرأي العام لحوادث سابقة، من بينها التحقيقات التي فُتحت أواخر عام 2024 بشأن مزاعم استخدام العنف ضد متظاهرين مؤيدين لفلسطين في أمستردام، إضافة إلى حادثة أخرى أثارت استياءً واسعاً بعد تداول مقطع يُظهر تعرض امرأتين مسلمتين للعنف على يد أحد عناصر الشرطة في أوتريخت. ورغم اختلاف السياقات بين هذه الحوادث، فإن القاسم المشترك بينها يتمثل في أنها غذّت شعوراً متزايداً لدى بعض الفئات بأن التعامل الأمني قد يتجاوز أحياناً حدود الضرورة والتناسب.
الأرقام الرسمية تضيف بعداً آخر للنقاش. فاعتراف الشرطة الهولندية نفسها بوجود مئات الحالات التي اعتُبر فيها استخدام القوة غير مهني أو مفرطاً يعكس أن المشكلة ليست مجرد انطباعات متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي. كما أن الارتفاع الملحوظ في عدد حوادث استخدام القوة خلال السنوات الأخيرة يفرض على المؤسسات المعنية مراجعة مستمرة لسياساتها وإجراءاتها، ليس فقط للحفاظ على الأمن، بل أيضاً لحماية الثقة العامة التي تُعد الركيزة الأساسية لعمل أي جهاز أمني في دولة ديمقراطية.
وفي المقابل، لا يمكن إغفال التحديات التي تواجهها الشرطة في بيئات معقدة تتعامل فيها مع احتجاجات جماهيرية أو مراكز لجوء أو مواقف متوترة تتطلب تدخلاً سريعاً. فالأجهزة الأمنية تجد نفسها أمام معادلة صعبة تجمع بين فرض النظام وحماية الحقوق الفردية. غير أن هذه الصعوبة لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر لتجاوز المعايير المهنية أو التغاضي عن أي انتهاكات محتملة.
ما تكشفه حادثة زايست في جوهرها هو الحاجة إلى تعزيز الشفافية أكثر من أي وقت مضى. فالمجتمعات الديمقراطية لا تُقاس فقط بقدرتها على فرض القانون، بل أيضاً بقدرتها على مساءلة من يطبقونه. ومن هنا تبرز أهمية التحقيقات المستقلة والواضحة التي تمنح الرأي العام إجابات دقيقة بعيداً عن الأحكام المسبقة أو التبريرات المتسرعة.
في النهاية، قد تثبت التحقيقات أن ما جرى كان خطأً فردياً معزولاً، وقد تكشف عن خلل أعمق يستدعي المعالجة. لكن المؤكد أن تكرار الجدل حول استخدام القوة في هولندا بات يشير إلى ضرورة مراجعة مستمرة للتوازن الدقيق بين مقتضيات الأمن واحترام الكرامة الإنسانية. فهذا التوازن ليس مجرد شعار قانوني، بل هو المعيار الحقيقي الذي تُقاس به قوة المؤسسات وثقة المواطنين بها.




