
هادي يوسف – دمشق
محطات كثيرة ومهمة من تاريخ الفن السوري، استعاد بها الجمهور ذكرياته في الماضي، وذلك خلال ثماني لوحات فنية متنوعة، جمعت بين التمثيل والموسيقا والغناء والرقص على خشبة في عرض مميز أقيم على خشبة مسرح الحمراء بدمشق.
حيث شهد العرض حضوراً رسميا وجماهيرياً لافتاً، وأكد مدير مديرية المسارح والموسيقا نوار بلبل أن هذا العرض يأتي في إطار تفعيل الحركة الثقافية والفنية في العاصمة، مشيراً إلى أهمية مسرح الحمراء التاريخية ودوره المحوري في المشهد الثقافي السوري، خاصة بعد الانتهاء من أعمال الترميم والتأهيل الشاملة التي خضع لها المسرح مؤخراً.
وفي السياق، أوضح المخرج غزوان قهوجي، في تصريح خاص، أن نوستالجيا هو عمل فني، يحاول المساهمة في توثيق ذاكرة للفن السوري، العريق بكافة صنوفه مسرح وموسيقا ودراما، من خلال اختيار نماذج من أعمال سورية سابقة وإعادة تجسيدها على خشبة مسرح واحدة”
وقال: “فكرة العمل بدأت خلال تواجد فريق الاوبريت ضمن فريق عمل نقابة الفنانين للبحث عن فرص تشغيلية لزملائهم الاعضاء بعيدا عما كان سائدا

وبدعم من المجلس المركزي و السيد النقيب وبتعاون مع مديرية المسارح والموسيقا بدأنا بالبحث عما يمكن ان يجمع الفنون بمختلف اصنافها فوجدنا أنها الذاكرة الجمعية التي توثق لما هو جميل وربما تحرص لصناعة الجمال مجدداً”
ويرى غزوان قهوجي أن النقابة تواكب كل التغييرات الايجابية التي تحدث على مستوى البلد مؤكداً، عن ثقته الكبيرة بوعود نقيب الفنانين، السيد “مازن الناطور” التي تسير فيها على نحو الافضل بنسب كبيرة.
وعن العقبات والتحديات اللوجستية؛ كشف المخرج السوري، أن رغم ضخامة فريق العمل الذي يتألف من 60 فناناً وفنانة وفريق من الفنيين،

إلا أن حبه وشغفه الكبير بالفكرة، وتقسيم العمل لفريق متكامل، سُهل عليه إدارة فريق العمل، مشيداً بالتعاون مع فرقة خُطى بقيادة الكريوغراف محمد حلبي وكورال من تدريب ميخائيل تادرس
واوركسترا بقيادة الشريك المايسترو ايهاب القطيش مما أتاح له التفرغ أكثر للدراما وإدارة الممثلين والتقنيات، مشيرا في الوقت ذاته، إلى احترافية كل المشاركين ساهمت في نجاح العمل
كما عّبر، المخرج غزوان قهوجي أن كل شي قدم خلال الاوبريت قد لامس روحه مبينا أن أعمال الراحل “حاتم علي” هي المفضلة بالنسبة له

هذا وتنوعت لوحات الأوبريت لتستحضر أبرز الأعمال الدرامية والمسرحية في ذاكرة السوريين، حيث استهلت اللوحات بـ «سهرة مع أبو خليل القباني» وأغنية «هذه دمشق»، تلا ذلك محطات درامية استذكرت أعمالاً أيقونية مثل شارات مسلسلات «أيام شامية»، «حمام القيشاني»، و«عيلة خمس نجوم». كما لم يغفل العرض تقديم لوحات تعبيرية رافقتها موسيقى أعمال درامية اجتماعية وسياسية تركت بصمة واضحة، منها «يوميات مدير عام»، «الولادة من الخاصرة»، «التغريبة الفلسطينية»، واختتم العمل بلوحة «القصيدة» مع شارة مسلسل «هجرة القلوب إلى القلوب».
في المقابل؛ قالت الممثلة السورية، “نور سليمان”، إن إعادة تجسيد مقتطفات من الذاكرة الذهبية للمسرح السوري التاريخي كان من خلال التمثيل، الذي عبرعن أحداث وشخصيات، حملتها الذاكرة عبر أجيال وأجيال بينما يأتي الرقص ليعبر عن الأحداث غير المنطوقة بالكلمة بالمشاعر وآثار الجسد، أما الغناء فهو لاستحضار الذاكرة لأعمال وشارات معلقة في ذاكرة الجماهير.

وعبرت الممثلة السورية نورسليمان عن تجربتها الفريدة والمتنوعة من خلال مشاركتها بلوحات عدة، تحاكي كل منها حالة وشخصية متفردة، من خلال التمثيل والرقص والحركة، مبينة أن الرسالة التي تهدف إيصالها إلى الجمهور هي ترك انطباع دافئ جميل في ذاكرة الجماهير، بعد انتهاء العرض، موجهة الشكر إلى القامات السورية من الفنانين العظماء، الذين نجحوا في إبداع هذه الأعمال الكبيرة التي لاقت حضورا سوريا وعربيا عليها.”

من جهة ثانية، رأت الممثلة السورية “هالة البدين” أن استعادة هذه الأعمال الدرامية كان له تأثير كبير على الجمهور، مبينة أن المشاهد كانت تحاكي ألم الجمهور وذكرياته
“حسّيت إنو العرض رجّعنا لذكريات حلوة والنوستالجيا كانت حاضرة وبقوة.”
وأشارت البدين إلى أن كل شارة لها خصوصية وإحساس وذكرى مختلفة. “أكتر شي حبيتو هوي اجتماع الموسيقى مع التمثيل والرقص، حسّيت إنو الشارات رجعت انبعثت فيها الروح من جديد.”

وبينت الممثلة نور البدين أن اوبريت «ذاكرة الفن السوري» له دور كبير في الحفاظ على الهوية الفنية السورية؟
“بعتقد بشكل كبير،له كبيرفي الحفاظ على التاريخ والتراث السوري لأنو عم ياخد شي من ذاكرتنا الفنية وعم يقدمو للجيل الجديد بطريقة جديدة وحلوة، وهيك منقدر نحافظ، على تراثنا وذكرياتنا الفنية السورية، وننقلها من جيل لجيل.“
بدورها صرحت الممثلة السورية،“شروق البني” أن النوستاليجا أثار حالة من المشاعر لدى الجمهور السوري في العودة إلى الذاكرة السورية
“بالتأكيد نجح العرض في استحضار حالة النوستالجيا، لكن بالنسبة لي لم تكن مجرد عودة إلى مسلسلات أو شارات قديمة، بل كانت عودة إلى جزء من الذاكرة السورية نفسها. مشاهدة هذه الأعمال والشارات التي اعتدنا أن نعيش معها أمامنا اليوم على خشبة المسرح، بصوت حي وأوركسترا وكورال وممثلين، أعطت الذكريات إحساساً مختلفاً تماماً عن مشاهدتها عبر الشاشة.”
كما أوضحت أن أكثر ما آثار انتباها في العرض هو محاولة الاوبريت أن يعيد خلق أجوائها من خلال المشاهد التمثيلية والحركة والموسيقى، ما جعل الانتقال بين الماضي والحاضر محسوساً جداً.
” أعتقد أن قوة «نوستالجيا» كانت في أنه جعلنا نكتشف أن بعض الأعمال الفنية لم تعد مجرد مسلسلات شاهدناها، وإنما أصبحت جزءاً من ذاكرتنا الشخصية والجماعية وكان لي هناك شعور خاص جداً وأنا أرى هذا الإرث الفني يعود إلى المسرح، خصوصاً أن مسرح الحمراء نفسه عاد ليستعيد نشاطه بعد إعادة تأهيله. شعرت أن هناك ذاكرتين تلتقيان في المكان نفسه: ذاكرة المسرح وذاكرة الدراما السورية”

ورأى المشاركون، أن من الصعب اختيار لوحة أو شارة واحدة، لأن كل فقرة كان إلها إحساسها وذكرياتها الخاصة،مؤكدين أن جمال العرض كان خلال الدمج بين الكوميديا والدراما وأجواء الشام وغيرها.
وشارك في تقديم الأوبريت فرق فنية متخصصة في الأوركسترا والكورال والفنون الشعبية والمسرح، ومجموعة من الفنانين الاخرين
وأوضح قائد الأوركسترا إيهاب القطيش
أن التحضيرات كانت قد استغرقت مدة تتراوح بين ثلاثة وأربعة أشهر، وتضمنت اختيار الشارات وإعادة توزيعها بما يتناسب مع الآلات المتاحة ومساحة المسرح، فضلاً عن التدريبات المنفصلة للرقص والكورال، قبل اجتماع الفرق معاً خلال الأسبوعين الأخيرين.
يذكر أن مسرح الحمراء بدمشق كان قد استعاد نشاطه في شهر أيلول الماضي، إثر الانتهاء من أعمال تأهيل شاملة، وشهد حفل إعادة افتتاحه تقديم عروض موسيقية وراقصة إلى جانب فيلم وثائقي يوثق مراحل تأهيله في خطوة تهدف إلى تنشيط الحركة المسرحية والفنية.





