
تقرير : محمد رائد كعكة
تواجه هولندا أزمة سياسية متصاعدة، في ظل خلافات حادة بين الأحزاب حول السياسات الضريبية والاقتصادية، بالتزامن مع تراجع ثقة المواطنين بالحكومة والمعارضة على حد سواء، ما يثير تساؤلات بشأن مستقبل حكومة رئيس الوزراء روب يتن (Rob Jetten)، وإمكانية اللجوء إلى انتخابات برلمانية مبكرة.
وتكشف التطورات الأخيرة عن مشكلة تتجاوز الخلاف حول مشروع ضريبي، لتطرح سؤالاً أكبر: هل تستطيع الأحزاب الهولندية تجاوز انقساماتها والتوصل إلى توافقات سياسية، أم أن البلاد تتجه نحو جولة جديدة من الانتخابات والمفاوضات الحكومية الطويلة؟
الثقة بالسياسة تهبط إلى مستويات مقلقة
بحسب نتائج استطلاع حديث نُسب إلى مؤسسة RTL Nieuwspanel التابعة لشبكة RTL Nieuws، فإن 13% فقط من المشاركين أعربوا عن ثقتهم بالسياسة الهولندية، فيما بلغت نسبة الثقة بحكومة روب يتن 12%، بينما لم تحظَ أحزاب المعارضة بثقة ربع المشاركين.
وتعكس هذه الأرقام، وفق النتائج المتداولة، حالة واسعة من الإحباط الشعبي، إذ يرى كثير من المواطنين أن السياسيين أصبحوا أكثر انشغالاً بالخلافات الحزبية والمصالح السياسية من اهتمامهم بمعالجة المشكلات اليومية.
ويأتي هذا الاستياء في وقت يواجه فيه السكان تحديات متواصلة، أبرزها أزمة السكن وارتفاع تكاليف المعيشة والقلق بشأن الضرائب والقدرة الشرائية.
الخلاف حول الضرائب يهدد استقرار الحكومة
تتمحور الأزمة الحالية حول خطة الضرائب لعام 2027، التي تسعى حكومة الأقلية المؤلفة من أحزاب D66 وVVD وCDA إلى تمريرها، دون امتلاك أغلبية برلمانية تضمن الموافقة عليها.
وقد أجرت الحكومة مفاوضات مع عدة أحزاب معارضة، إلا أن الخلافات بشأن توزيع الأعباء الضريبية، وفرض ضرائب إضافية على الثروات، وتمويل النفقات الحكومية، ما زالت تعرقل التوصل إلى اتفاق شامل.
وتشير المعلومات المتداولة إلى أن التصويت على الخطة الضريبية مقرر بحلول 12 نوفمبر، وسط استمرار البحث عن أغلبية برلمانية.
ورغم هذه الصعوبات، أكد رئيس الوزراء روب يتن، خلال مؤتمره الصحفي في 6 نوفمبر، تمسك الحكومة بالتوصل إلى اتفاق، محذراً من أن رفض الخطة بصيغتها المطروحة قد يؤدي إلى تراجع الإيرادات الحكومية المتوقعة بنحو 9 مليارات يورو خلال السنوات المقبلة.
هل تكون الانتخابات المبكرة الحل؟
في ظل هذا الانسداد السياسي، بدأت تتصاعد التساؤلات بشأن إمكانية إجراء انتخابات برلمانية مبكرة.
ووفقاً لما أوردته صحيفة Algemeen Dagblad يوم السبت 7 نوفمبر، فإن تنظيم انتخابات جديدة قد لا يكون ممكناً قبل مايو 2027، ما يعني أن أي انهيار للحكومة قد يفتح الباب أمام أشهر إضافية من عدم اليقين السياسي.
وترى زعيمة حزب الاتحاد المسيحي (ChristenUnie)، ميريام بيكر (Mirjam Bikker)، أن المشهد السياسي بات يكافئ أحياناً الأحزاب التي ترفض التنازلات، بينما قد تدفع الأحزاب الساعية إلى التسويات ثمناً انتخابياً.
غير أن الانتخابات المبكرة لا تضمن بالضرورة إنهاء الأزمة، إذ قد تسفر عن برلمان منقسم مجدداً، لتبدأ بعدها مفاوضات تشكيل حكومة جديدة، وهي عملية قد تستغرق عدة أشهر.
كما أن الملك الهولندي لم يعد يؤدي الدور الرسمي السابق في تشكيل الحكومات منذ عام 2012، بعدما انتقلت إدارة هذه العملية إلى مجلس النواب، ما يجعل مسؤولية إيجاد الحلول السياسية تقع بصورة أساسية على عاتق الأحزاب نفسها.
ماذا تعني هذه الأزمة للعرب المقيمين في هولندا؟
بالنسبة للجاليات العربية، لا تقتصر أهمية هذه التطورات على متابعة الصراع السياسي في لاهاي، بل تمتد إلى ملفات تمس الحياة اليومية بصورة مباشرة.
فاستمرار الخلافات قد يؤخر القرارات المتعلقة ببناء المساكن وتخفيف أزمة الإيجارات، كما قد ينعكس على السياسات الضريبية والدعم الاجتماعي والقدرة الشرائية للأسر.
كذلك فإن أي تغيير في التوازنات البرلمانية قد يؤثر في توجهات الحكومة المقبلة بشأن الهجرة واللجوء والاندماج ولمّ شمل الأسر، وهي ملفات تحظى باهتمام شريحة واسعة من المقيمين ذوي الأصول العربية.
ومع ذلك، فإن سقوط الحكومة أو إجراء انتخابات جديدة لا يعني تلقائياً توقف الخدمات العامة أو إلغاء الحقوق والإقامات القائمة، إذ تستمر مؤسسات الدولة في أداء مهامها وفق القوانين المعمول بها.
أيام حاسمة لمستقبل الحكومة
تتجه الأنظار الآن إلى المناقشات والتصويت المرتقب على الخطة الضريبية، باعتبارهما اختباراً مهماً لقدرة حكومة روب يتن على تأمين الدعم البرلماني ومواصلة عملها.
وبين تراجع الثقة الشعبية وتصاعد الخلافات الحزبية، تجد هولندا نفسها أمام معضلة سياسية واضحة: فالانتخابات الجديدة قد تعيد توزيع المقاعد البرلمانية، لكنها لن تعالج بالضرورة غياب التوافق بين الأحزاب.
أما المواطنون، فينتظرون نتائج ملموسة في السكن والاقتصاد ومستوى المعيشة، بعيداً عن الصراعات السياسية التي باتت تستهلك جانباً كبيراً من النقاش العام.
ويبقى السؤال الأهم: هل تنجح الأحزاب الهولندية في إنقاذ الحكومة عبر تسوية سياسية، أم تدفع خلافاتها البلاد نحو انتخابات جديدة قد تعيد إنتاج الأزمة نفسها؟





