سوريا على حافة المعركة : شرارة صغيرة… لحريقٍ كبير

الصحفي محمد رائد كعكة

في لحظات التوتر الكبرى في التاريخ، كثيرًا ما تبدأ الحروب بشرارة صغيرة تبدو في ظاهرها محدودة، لكنها سرعان ما تتحول إلى حريق واسع تتسع دائرته حتى تبتلع ما حولها. واليوم، يبدو أن المشهد الإقليمي يسير في هذا الاتجاه؛ إذ تتراكم المواقف المتصلبة وتتعقد الحسابات السياسية والعسكرية إلى درجة بات معها الانسداد السياسي يقابله انسداد ميداني على الأرض.

حتى الآن تبدو أطراف الصراع واضحة نسبيًا. فإيران تقاتل في موقع الدفاع والهجوم معًا، وكذلك إسرائيل التي تجمع بين الردع والضربات الاستباقية. أما الولايات المتحدة فتتحرك في موقع الهجوم المباشر أو غير المباشر، بينما تتخذ دول الخليج موقف الدفاع الاستراتيجي، محاولة حماية استقرارها ومصالحها. وفي المقابل، يقف اليمن حتى الآن على الحياد النسبي، غير أن المؤشرات توحي بأن هذا الحياد قد لا يدوم طويلًا، خصوصًا إذا قررت طهران توسيع نطاق العمليات عبر تبديل اللاعبين في الميدان وتجديد زخم المواجهة.

إلى جانب هذه الأطراف، هناك دول تبدو وكأن لها قدمًا داخل الملعب وأخرى ما تزال خارجه. فبعضها ينتظر اللحظة المناسبة للدخول، وبعضها الآخر قد يكون مقيدًا بحسابات سياسية أو عسكرية لا تسمح له بالتحرك في الوقت الراهن. وتبرز هنا دول مثل تركيا وأذربيجان، اللتين تراقبان المشهد عن كثب دون أن تعلنا موقفًا حاسمًا.

غير أن ثمة عاملين محتملين قد يغيران قواعد اللعبة بالكامل. الأول يتمثل في احتمال دخول سوريا في المعركة بشكل أو بآخر. ورغم أن هذا الاحتمال غير مؤكد، فإن نتائجه في حال حدوثه تكاد تكون محسومة: حرب إقليمية مفتوحة قد تتلاشى فيها الحدود وتتشابك الأجواء. فسوريا تمثل عقدة جغرافية وسياسية شديدة الحساسية في قلب المنطقة، ودخولها في المواجهة سيغير توازنات الحرب بحكم موقعها بين العراق ولبنان، وهما من أبرز حلفاء إيران.

مثل هذا التطور قد يدفع جميع الأطراف إلى الذهاب نحو الحد الأقصى من التصعيد. ومن المفارقات أن دخول سوريا قد يكون مريحًا نسبيًا للولايات المتحدة وإسرائيل وبعض دول الخليج، لأنه سيضع ضغطًا إضافيًا على إيران وحلفائها، ويعيد تشكيل خريطة المواجهة. وحتى الآن لم يصدر عن القيادة السورية تصريح واضح يؤكد نية الدخول في الحرب أو يعلن النأي بالنفس عنها، وهو موقف يترك الباب مفتوحًا أمام مختلف الاحتمالات.

ومن اللافت أن بعض الأطراف تبدو متحمسة لدخول سوريا في الصراع، سواء بشكل مباشر أو عبر دفع الظروف نحو هذا الاتجاه. كما أن تصريحات بعض الدول الإقليمية تعكس إدراكًا لخطورة هذا السيناريو. فقد جاء التحذير من ضرورة تحييد سوريا عن الحرب تعبيرًا عن فهم عميق بأن دخولها قد يحول المواجهة إلى حرب إقليمية شاملة تمتد آثارها إلى كامل الشرق الأوسط.

أما العامل الثاني الذي قد يغير مسار الأحداث عالميًا فهو كوريا الشمالية. فإذا كانت هناك نية لدى الصين وروسيا وكوريا الشمالية لمواجهة الغرب والولايات المتحدة في لحظة تاريخية مواتية، فإن الظروف الحالية قد تمثل فرصة نادرة. فالقسم الأكبر من الأصول العسكرية الأمريكية في الشرق بات متمركزًا قرب حدود إيران، بما في ذلك بعض القدرات التي كانت تنتشر سابقًا قرب الصين أو في كوريا الجنوبية. وفي حال تحركت كوريا الشمالية عسكريًا ضد كوريا الجنوبية أو اليابان، فإن الصراع قد يتحول إلى حرب عالمية حقيقية، بكل ما يحمله هذا المصطلح من معنى.

صحيح أن الحرب الإقليمية المحتملة نتيجة دخول سوريا لا تعني بالضرورة تحولها إلى حرب عالمية، لكن السيناريو يختلف تمامًا إذا اشتعلت الجبهة الكورية. ففي تلك الحالة قد تُفتح جبهات متعددة في وقت واحد، بما في ذلك مختلف جبهات الشرق الأوسط.

وفي خضم هذه التعقيدات، من الخطأ التعويل على الاصطفافات الحالية باعتبارها ثابتة أو نهائية. فالتاريخ يعلمنا أن التحالفات تتغير بسرعة عندما تبدأ الحروب الكبرى. وقد شهد العالم ذلك بوضوح خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية، حيث تبدلت المواقف والتحالفات بشكل دراماتيكي مع تطور الأحداث.

وفي جميع الأحوال، تبقى الدول الصغيرة هي الأكثر عرضة للخسائر في مثل هذه الصراعات الواسعة. فهذه الدول غالبًا ما تجد نفسها في قلب العاصفة دون أن تمتلك القدرة الكافية على التأثير في مسارها. ومن المؤلم أن بعض البلدان المرهقة أصلًا بالأزمات قد تكون أول الضحايا إذا اتسعت دائرة الحرب.

إن المنطقة تقف اليوم أمام لحظة دقيقة، حيث يمكن لشرارة صغيرة أن تشعل حريقًا كبيرًا. والسؤال الذي يفرض نفسه ليس فقط من سيبدأ الجولة التالية من التصعيد، بل إلى أي مدى يمكن للعالم أن يمنع هذا الحريق من التحول إلى مواجهة لا يعرف أحد حدودها.

كاتب

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى