
امستردام – نور الحمدان
شهدت هولندا ارتفاعًا ملحوظًا في حالات التسمم المرتبطة باستخدام أدوية إنقاص الوزن القابلة للحقن، وسط تحذيرات متزايدة من انتشار مستحضرات تُباع عبر الإنترنت دون إشراف طبي، بعضها يحتوي على مواد شديدة الخطورة.
وكشف التقرير السنوي الصادر عن المركز الوطني لمعلومات السموم (NVIC) التابع للمركز الطبي الجامعي في أوتريخت، أن عدد البلاغات المتعلقة بحالات التسمم الناتجة عن هذه الأدوية ارتفع من 76 حالة في عام 2024 إلى 149 حالة خلال عام 2025، أي ما يقارب الضعف خلال عام واحد.
وأشار التقرير إلى أن نسبة كبيرة من الحالات تعود إلى استخدام أدوية أو مستحضرات تم الحصول عليها دون وصفة طبية، فيما يؤكد الخبراء أن الأرقام الحقيقية قد تكون أعلى بكثير، إذ إن العديد من المستخدمين لا يلجؤون إلى الطبيب عند ظهور الأعراض، كما أن الأطباء لا يبلغون المركز في جميع الحالات.
الإقبال يتزايد… والمخاطر كذلك
ويزداد الإقبال على أدوية إنقاص الوزن في هولندا بشكل لافت، إذ يُقدَّر عدد مستخدميها بأكثر من 80 ألف شخص. وتشمل هذه الفئة أدوية معروفة ومرخصة مثل أوزمبيك، والتي أثبتت فعاليتها عند استخدامها تحت إشراف طبي، إلا أن تزايد شرائها واستخدامها بشكل فردي يثير مخاوف متزايدة لدى المختصين.
ووفقًا للتقرير، فإن 40% من حالات التسمم التي أبلغ عنها مقدمو الرعاية الصحية كانت مرتبطة بأدوية تم شراؤها دون وصفة طبية.
تأثير المشاهير والمؤثرين
ويرى عالم الأحياء بيتر دي كايزر، الباحث في المركز الطبي الجامعي بأوتريخت، أن الشعبية الكبيرة لهذه الأدوية لم تعد مرتبطة بالحاجة الطبية فقط، بل ساهم المشاهير والمؤثرون في زيادة الإقبال عليها.
وقال إن هذه الأدوية طُورت أساسًا لعلاج مرضى السكري والسمنة، إلا أن انتشارها بين المشاهير شجع كثيرين على استخدامها بهدف فقدان الوزن، حتى من دون وجود حاجة طبية حقيقية.
وأضاف أن كثيرًا من الناس باتوا يثقون بما يروجه المؤثرون أو معارفهم أكثر من اعتمادهم على النصائح الطبية، وهو ما يزيد من مخاطر الاستخدام الخاطئ.
تحذير خاص من عقار “ريتاتروتيد”
وأبدى المركز قلقًا خاصًا من مادة ريتاتروتيد (Retatrutide)، التي تُعرف أحيانًا باسم “Triple G”، وهي مادة غير مرخصة للاستخدام الطبي في هولندا ولا يمكن للأطباء وصفها.
وسجل المركز 6 حالات تسمم مرتبطة بهذه المادة خلال عام 2025، بينما ارتفع العدد إلى 12 حالة خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام الجاري، ما يعكس تزايد استخدامها رغم عدم اعتمادها رسميًا.
ويحذر الخبراء من أن هذا العقار يتمتع بفعالية قوية، لكن استخدامه دون متابعة طبية قد يؤدي بسهولة إلى جرعات زائدة، وما يرافقها من مضاعفات خطيرة.
مضاعفات قد تصل إلى الطوارئ
ويؤكد المختصون أن الجرعات الزائدة من أدوية إنقاص الوزن قد تسبب حالات تسمم حادة تستدعي نقل المصاب إلى قسم الطوارئ، إضافة إلى احتمال حدوث أضرار طويلة الأمد في أعضاء حيوية مثل الكبد والكلى والجهاز العصبي.
من جانبه، قال ديلان دي لانغ، أخصائي العناية المركزة ورئيس المركز الوطني لمعلومات السموم، إن المخاطر الصحية المرتبطة بالمواد التي تُشترى عبر الإنترنت “لا تكاد تُحصى”، داعيًا إلى رفع مستوى الوعي بين المستهلكين.
لماذا تصبح الجرعة الزائدة أكثر خطورة لدى البعض؟
تعتمد معظم أدوية إنقاص الوزن الحديثة على تحفيز إفراز الإنسولين، وتقليل الشهية، وإبطاء انتقال الطعام من المعدة إلى الأمعاء، وهو ما يؤدي إلى خفض مستويات السكر في الدم وفقدان الوزن.
ويشير الخبراء إلى أن الأشخاص الذين يستخدمون هذه الأدوية رغم عدم معاناتهم من السمنة يكونون أكثر عرضة للإصابة بمضاعفات الجرعات الزائدة، لأن أجسامهم تستجيب للعقار بصورة مختلفة مقارنة بمن يعانون من السمنة.
احذر المنتجات المجهولة على الإنترنت
ويشدد الباحثون على أن الأدوية المرخصة تخضع لسنوات طويلة من الدراسات والاختبارات للتأكد من فعاليتها وسلامتها قبل طرحها في الأسواق.
لكن في المقابل، تنتشر عبر الإنترنت نسخ مقلدة أو غير نقية تُباع بأسعار منخفضة، وقد تحتوي على شوائب أو نواتج كيميائية خطيرة لم تخضع لأي اختبارات جودة أو سلامة.
الرسالة الأهم
ويؤكد الخبراء أن أدوية إنقاص الوزن ليست وسائل تجميل بسيطة، بل هي أدوية قوية يجب استخدامها فقط تحت إشراف طبي، وبعد التأكد من ملاءمتها للحالة الصحية.
ويختتم الباحث بيتر دي كايزر بالتأكيد على أن من يرغب في خسارة الوزن ينبغي ألا يلجأ إلى هذه الأدوية إلا عند وجود حاجة طبية حقيقية، مع الالتزام بتعليمات الطبيب، مشددًا على أن ممارسة النشاط البدني واتباع نظام غذائي متوازن يظلان الخيار الأكثر أمانًا للحفاظ على الوزن والصحة.





