
الصحفي محمد رائد كعكة
لم يعد السؤال اليوم: هل هناك حرب؟
بل: إلى أي مدى ستذهب؟
التصعيد بين إيران وإسرائيل تجاوز كونه جولة جديدة من التوتر المعتاد في الشرق الأوسط. ما يحدث الآن أقرب إلى إعادة رسم لقواعد الاشتباك، وربما لإعادة تعريف مفهوم “الردع” نفسه في النظام الدولي.
الضربات الصاروخية التي طالت مواقع حساسة، وما تبعها من ردود متسارعة، تكشف أن الطرفين لم يعودا يكتفيان برسائل محدودة أو عمليات محسوبة بدقة. نحن أمام مواجهة تختبر الحدود القصوى: عسكرياً، سياسياً، ونفسياً.
الأخطر ليس فقط في حجم الضربات، بل في طبيعتها. الحديث المتزايد عن صواريخ بعيدة المدى وقدرات عابرة للإقليم لم يعد مجرد تقديرات نظرية. هذه الرسائل موجهة بوضوح إلى ما هو أبعد من ساحة الصراع المباشر، وتحديداً إلى أوروبا التي كانت، حتى وقت قريب، تعتقد أنها خارج نطاق الخطر.
هذا التحول يضع القارة الأوروبية أمام واقع جديد: الأمن لم يعد مضموناً بالمسافة، ولا بالافتراضات القديمة. ومع ذلك، لا تزال الاستجابة الأوروبية حذرة، وربما مترددة، بين التصعيد السياسي والدعوات إلى التهدئة.
في المقابل، تبدو الولايات المتحدة في موقع معقد. فهي حاضرة عسكرياً، لكنها تحاول تجنب الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة. رسائلها متناقضة: ردع من جهة، وإشارات اقتصادية مرنة من جهة أخرى. هذا التوازن الهش يعكس إدراكاً بأن أي خطأ في الحساب قد يفتح الباب أمام مواجهة أوسع لا يمكن احتواؤها بسهولة.
أما على الأرض، فالمعادلة أبسط وأكثر قسوة: كل ضربة ترفع سقف الضربة التالية. وكل إعلان عن اعتراض أو نجاح عسكري يقابله تشكيك أو نفي من الطرف الآخر. الحقيقة تصبح ضبابية، لكن التصعيد نفسه واضح ولا يمكن إنكاره.
اقتصادياً، بدأت الكلفة تظهر سريعاً. الأسواق تتفاعل بعصبية، والحديث عن اضطرابات في الطاقة والتجارة يعود بقوة. في عالم مترابط، لا تبقى الحروب محصورة جغرافياً، بل تمتد آثارها إلى الجميع—بلا استثناء.
وسط هذا المشهد، يبرز عامل لا يقل خطورة: تعدد اللاعبين. أطراف إقليمية تراقب، وأخرى قد تنخرط، وقوى دولية تحاول إدارة الأزمة دون أن تفقد السيطرة عليها. كلما زاد عدد المتدخلين، تقل القدرة على التنبؤ، ويزداد احتمال الخطأ.
التاريخ مليء بلحظات مشابهة—لحظات بدا فيها العالم على حافة الانفجار قبل أن يتراجع في اللحظة الأخيرة. لكن الفارق اليوم أن أدوات التدمير أسرع، وردود الفعل أكثر تسارعاً، ومساحة الخطأ أضيق بكثير.
السؤال الحقيقي الآن:
هل ما نشهده هو تصعيد محسوب ضمن لعبة توازن القوى؟
أم أننا أمام انزلاق تدريجي نحو مواجهة أكبر لا يريدها أحد… لكنها تحدث رغم ذلك؟
حتى اللحظة، لا توجد إجابة واضحة.
لكن المؤكد أن العالم لم يعد كما كان قبل هذه المواجهة.
والأخطر… أنه قد لا يعود كذلك قريباً.





