
القاهرة : داليا عطية
في زمنٍ تتداخل فيه الخوارزميات مع غرف الأخبار، وتتراجع فيه الحدود الفاصلة بين الصحفي والآلة، يواجه تعليم الإعلام سؤالًا وجوديًا : كيف نُعدّ إعلاميًا قادرًا على التفكير لا مجرد إعادة إنتاج المعلومة؟
ومع تصاعد المنافسة في سوق العمل، واتساع تأثير الذكاء الاصطناعي، وتحوّل الفضاء الرقمي إلى ساحة مفتوحة لحروب المعلومات، لم يعد تطوير المناهج الأكاديمية ترفًا، بل ضرورة استراتيجية.
داخل مكتبها بمقر الجامعة العربية المفتوحة بالقاهرة – الشروق، حيث تتجاور الكتب الأكاديمية مع ملفات التطوير المؤسسي، دار هذا الحوار مع الدكتورة نيرمين خضر – أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة، والعميد المركزي لكليات الإعلام بالجامعة العربية المفتوحة، والعميد المحلي لكلية الإعلام بمصر – حول مستقبل المهنة، وحدود التقنية، ومسؤولية الجامعة في تشكيل وعي إعلامي قادر على قراءة الداخل وفهم الخارج.
منذ انضمامها إلى الجامعة العربية المفتوحة عام 2018 عميدًا محليًا، ثم ترقيتها إلى عميد مركزي لكليات الإعلام بفروعها في مصر والأردن ضمن منظومة تمتد إلى تسع دول عربية، وضعت “خضر” مسألة التحديث الأكاديمي وربط التعليم بسوق العمل في صدارة أولوياتها.
أكاديمية مصرية تقود ملفًا عربيًا يتجاوز حدود القاعات الدراسية، وتطرح في هذا الحوار رؤية تستند إلى خبرة بحثية امتدت منذ تخرجها في كلية الإعلام بجامعة القاهرة عام 1995، مرورًا برسالة دكتوراه تناولت معالجة الإعلام الدولي لقضايا الشرق الأوسط، وصولًا إلى تجربتها القيادية الحالية.
حوار لا يتوقف عند حدود الجامعة، بل يمتد إلى أسئلة أوسع تتعلق بمستقبل الصحافة، والفجوة بين النظرية والتطبيق، وكيف يمكن للإعلامي أن يحتفظ ببصمته الإنسانية في عالم تتسارع فيه الآلات.
في البداية .. وفي ظل التحول الرقمي المتسارع، كيف ترين حال الإعلام اليوم؟
الإعلام الآن يعيش لحظة مفصلية، نحن أمام مرحلة انتقالية حقيقية، لم يعد الأمر مجرد انتقال من ورق إلى شاشة، بل تحوُّل في فلسفة صناعة المحتوى نفسها، السرعة أصبحت أولوية، لكن الجودة والمصداقية هما الرهان الحقيقي، نحن أمام بيئة إعلامية مفتوحة، متدفقة، وأحيانًا مضطربة، لذلك أرى أن التحدي الأكبر ليس في امتلاك أدوات النشر، بل في امتلاك وعي مهني يضبط استخدامها، الإعلام اليوم يحتاج عقلًا ناقدًا بقدر ما يحتاج مهارة تقنية.
س: هل انعكس ذلك مباشرة على تعليم الإعلام؟
بالتأكيد، لم يعد مقبولًا أن تظل المناهج ثابتة بينما الواقع يتغير يوميًا، في الجامعة العربية المفتوحة حرصنا على تطوير المقررات لتكون مرنة وقابلة للتحديث، مع تعزيز التدريب العملي، وربط الطالب بمؤسسات إعلامية حقيقية، الطالب اليوم يجب أن يتخرج وهو مارس المهنة فعليًا، لا فقط درسها نظريًا، التعليم لم يعد تلقينًا، بل إعدادًا متكاملاً لسوق عمل شديد التنافسية.
هل استطاع تعليم الإعلام في مصر مواكبة هذا التحول؟
هناك تطور ملحوظ، لكن التحدي قائم، تحديث اللوائح والمناهج أصبح ضرورة مستمرة وليس قرارًا موسميًا، لا يمكن أن نُدرّس طالبًا في 2026 بمحتوى يعود لعقدين سابقين، مواكبة الاتجاهات العالمية، خاصة في الولايات المتحدة وأوروبا، أصبحت جزءًا أساسيًا من تطوير التعليم الإعلامي في مصر.
س: هل صنع ذلك فجوة بين منهج الجامعة وسوق العمل ؟
بلا شك، وتكون الفجوة بين النظرية والتطبيق، في الجامعة يتلقى الطالب يتلقى أساسًا علميًا مهمًا، لكن سوق العمل يحتاج إلى مهارات عملية مباشرة، وهنا يأتي دور التدريب كحلقة وصل، بدون تدريب حقيقي، يظل الإعلامي نظريًا أكثر منه ممارسًا، سوق العمل لا يبحث فقط عن شهادات، بل عن مهارات ولذلك أؤكد دائمًا أن التدريب ليس مرحلة إضافية، بل هو جزء من التكوين الأكاديمي نفسه.
إذن التدريب ليس رفاهية؟
نعم، هو حجر الأساس، أضع تحته عشرين خطًا، التدريب هو ما يصنع الفارق بين خريج تقليدي وخريج قادر على المنافسة، والمؤسسات الأكاديمية توفر بيئة تدريبية داخلية، لكن الطالب مطالب أيضًا بالسعي خارج أسوار الجامعة لاكتساب خبرة حقيقية.
س: هل تقع المسؤولية الأكبر على الطالب أم على الجامعة؟
هي مسؤولية مشتركة، الجامعة توفر الإمكانيات المتاحة من معامل وخبراء ومصادر معلومات، لكن أعداد الطلاب الكبيرة تفرض تحديات، والطالب مسؤول عن تطوير نفسه منذ اليوم الأول له بالدراسة، عليه ألا يقف عند ما تقدمه الجامعة فقط، الطالب الذي يطور نفسه مبكرًا ويبحث عن فرص إضافية هو من يصنع مستقبله بيده، ويصبح أكثر قدرة على المنافسة لأن كل تدريب يسعى إليه يضيف إلى بصمته الشخصية في مهنة الإعلام .
س: في زمن تتحدث فيه التكنولوجيا .. هل يؤثر الذكاء الاصطناعي على الإعلامي بأن يحل محله ؟
لا شك أن بعض الوظائف ستتأثر، لكن الإبداع الإنساني سيبقى العنصر الفاصل، الذكاء الاصطناعي أداة قوية، يمكنه جمع المعلومات وتقديم صياغة أولية، لكنه لا يستطيع أن يمنح النص روحًا أو بصمة شخصية، الحس الإبداعي والقدرة على الربط والتحليل تبقى ملكًا للإنسان، وهنا أشجع الطلاب على استخدامه بوعي، وعدم الاعتماد عليه بنسبة 100% يجب أن يكون لهم بصمتهم الشخصية، لأن الإبداع، والقدرة على صياغة قصة إنسانية مؤثرة، سيظلان عنصرين لا يمكن للخوارزميات أن تحل محلهما.
كيف يمكن للطالب استخدامه بوعي ؟
يستخدمه كأداة مساعدة، لا كبديل، يجمع المعلومات، يطّلع، ثم يعيد الصياغة برؤيته الخاصة، المشكلة حين يتحول الطالب إلى ناقل آلي، المطلوب توظيف التقنية مع الحفاظ على التفكير النقدي ومهارة الإبداع.
س: هل هناك مخاطر حقيقية من الاعتماد عليه في البحث العلمي ؟
نعم، إذا تحول إلى بديل عن التفكير الشخصي في البحث العلمي، لا يمكن أن نعتمد كليًا على أدوات ذكية ونفقد الجهد التحليلي الفردي، لذلك نضع ضوابط واضحة، ونؤكد أن التقنية وسيلة مساعدة، لا صانعًا للفكر، الهدف أن يطوّر الطالب أدواته، لا أن يتنازل عنها.
س: إذن ما مستقبل رسائل الماجستير والدكتوراة المتعلقة بمهن تتطلب الفهم والإدراك مثل مهنة الطب ؟
هذا الأمر خطير فعلا، وكارثي إذا اعتمد فيه الطالب على الذكاء الاصطناعي بنسبة 100% ولذلك تستخدم الجامعات برامج لكشف الاقتباس ومراقبة نسبة الاعتماد على الذكاء الاصطناعي، ونصيحتي هنا للطالب : يمكن الاستعانة بالذكاء الاصطناعي في البحث، لكن لا يمكن أن يكتب الرسالة بدلًا من الباحث، لذلك اعتمد على التقنية كمصدر معلومات، لا كبديل لدورك الشخصي في التحليل المستقل .
س: مع كل تقدم تكنولوجي تتقدم أولويات المهارات .. ما المهارات الأساسية التي يجب أن يمتلكها إعلامي اليوم ؟
مهارات كثيرة أهمها الاتصال الفعال، والكتابة الدقيقة وأيضا المسئولة، بالإضافة إلى التحليل، والقدرة على إدارة الحوار، وأيضًا مهارات العرض والإقناع، وإتقان أدوات الإعلام الرقمي، هذه المهارات تجعلنا أمام إعلامي متميز، متعدد الأبعاد، قادر على المنافسة محليًا ودوليًا، ومؤثرًا بطريقة مسؤولة.
س: بمناسبة المنافسة دوليًا .. كيف يمكن للإعلامي أن يتعامل مع الصورة الدولية لبلده ؟
هذا السؤال خطير وضروري، على طالب كليات الإعلام أن يفهم أولًا أن كيف يُبنى الخطاب الإعلامي في الخارج، ثم إتقان لغة ثانية على الأقل، لمتابعة المصادر الأجنبية، وتحليل الخطاب الدولي، هذه الأدوات تُمكّنه من فهم كيف يرى العالم دولته، عندما نفهم كيف تُروى قصصنا في الخارج، نستطيع أن نقدم سردية أكثر توازنًا واحترافية، الإعلام بقدر ما هو مسؤولية مهنية هو أيضًا مسؤولية وطنية .
بين ضغط السرعة ومتطلبات الدقة، كيف ينجو الإعلامي من الوقوع في مصيدة الشائعات التي تستهدف الدول في عصر حروب المعلومات؟
الرجوع إلى المصادر الرسمية يجب أن يكون الخطوة الأولى دائمًا، لكن ذلك لا يكفي وحده، تنويع المصادر، والاطلاع على ما تنشره وسائل الإعلام الدولية، ومقارنة الروايات المختلفة قبل تداول أي معلومة، كلها أدوات تصنع إعلاميًا واعيًا، الخبرة تتراكم من كثرة المتابعة والتحليل، ومع الوقت يصبح لدى الطالب أو الصحفي قدرة حقيقية على التمييز بين الخبر المهني والشائعة المصطنعة، وعلى إصدار حكم موضوعي مبني على قراءة متعددة الزوايا، لا على انفعال لحظي.
كيف تسهم الشراكات الدولية في رفع جودة الخريج ؟
الشراكات تفتح أبوابًا للاطلاع على تجارب مختلفة وتقنيات متقدمة، والاحتكاك بالمؤسسات الإعلامية الدولية يعزز المهنية، خاصة في التعامل مع الخبر بحياد وموضوعية.
س: ما الذي تغيّر في نظرتك للمهنة عبر مسيرتك الأكاديمية الطويلة ؟
عندما بدأت كمعيدة في كلية الإعلام بجامعة القاهرة، كنت أرى المهنة من زاوية البحث والتحليل، مع الوقت، ومع حصولي على الماجستير ثم الدكتوراه، أدركت أن الإعلام ليس فقط موضوع دراسة، وأنه مسؤولية مجتمعية، ومع تولي مناصب قيادية، أصبحت أرى الصورة من منظور أشمل: كيف نصنع منظومة تعليمية قادرة على تخريج إعلاميين يحملون وعيًا وضميرًا مهنيًا، لا مجرد مهارات تقنية.
س: توليكِ عمادة كلية الإعلام ثم العمادة المركزية… هل غيّر زاوية رؤيتك؟
أكيد، الانتقال إلى موقع القيادة المؤسسية جعلني أتعامل مع الإعلام كمنظومة متكاملة، لم يعد الأمر يتعلق بمحاضرة أو مقرر، بل باستراتيجية تطوير تمتد عبر فروع الجامعة المختلفة، نحن نتحدث عن تسع دول عربية، وعن ضرورة توحيد المعايير الأكاديمية مع مراعاة الخصوصيات المحلية، هذا التوازن يحتاج رؤية طويلة المدى، وإيمان حقيقي بدور الإعلام في بناء المجتمعات.
كيف تنظرين لدور الجامعة العربية المفتوحة في هذا السياق؟
الجامعة تمتلك رؤية عربية طموحة، وتحرص على تطوير التعليم وفق معايير أكاديمية حديثة، وأتوجه بخالص الشكر والتقدير إلى صاحب السمو الملكي الأمير عبدالعزيز بن طلال بن عبدالعزيز آل سعود، رئيس مجلس أمناء الجامعة، وإلى معالي الأستاذ الدكتور محمد إبراهيم الذكري، رئيس الجامعة، ومعالي الأستاذ الدكتور نايف المطيري نائب رئيس الجامعة للشؤون الأكاديمية، على دعمهم وثقتهم التي أتاحت لي فرصة العمل والتطوير في هذا الصرح العربي.
وكيف ترين مستقبل الإعلام العربي خلال السنوات المقبلة؟
المستقبل سيكون لمن يجمع بين التكنولوجيا والهوية، الإعلام العربي قادر على المنافسة إذا استثمر في التدريب والبحث والتطوير، مع الحفاظ على قيم المهنية والمسؤولية.
س: حصلتي على جائزة أفضل رسالة دكتوراه عام 2006 .. هل كان للجوائز الأكاديمية أثر على مسيرتك؟
نعم، وبلا شك، حصولي على هذه الجائزة منحني تقديرًا أكاديميًا ومهنيًا كبيرًا، وزاد حرصي على تطوير الطلاب ونقل خبرتي لهم، الجوائز تُحفّز على الاجتهاد والتميز، وتؤكد أن البحث العميق والمستمر يؤتي ثماره.
س: بعد كل هذه الرحلة، ما الرسالة التي توجهيها من خلال NNA للجيل الجديد؟
أقول لهم بكل العلم والخبرة وأيضًا الحب : لا تتعاملوا مع الإعلام كشهرة، بل كمسؤولية، ابحثوا، اقرأوا، درّبوا أنفسكم باستمرار، ولا تستهينوا بالتفاصيل، المهنة تحتاج صبرًا وتطويرًا دائمًا، ومن يحب الإعلام بحق، سيجد فيه رسالة تتجاوز حدود الوظيفة.
عندما بدا أن الحوار يقترب من نهايته، شعرت أنني لا أريد مغادرة هذا المكتب قبل أن أستبقي لنفسي شيئًا أعمق من إجابات مهنية مدروسة، خمسة عشر عامًا من العمل في الإعلام علّمتني أن المهنة لا تُمارس فقط… بل تُتعلم كل يوم من جديد، لذلك طلبت منها -لا كصحفية تجري حوارًا، بل كإعلامية تبحث عن سند مهني لقلمها- أن تمنحني نصيحة أحتفظ بها وأشاركها مع جيلي.
بنبرة تحمل دفئًا صادقًا، وتواضع خبير، ومحبة أستاذ قالت لي :
“استمري في التعلم ولا تظني أنكِ وصلتِ، الإعلام يتجدد كل يوم، ومن يتوقف عن التطور يتراجع، حافظي على شغفك، وعلى إنسانيتك في طرح القضايا، واعملي دائمًا على أن يكون لقلمك أثر إيجابي، أنتِ تملكين رؤية واضحة ووعيًا مهنيًا، فاجعليهما بوصلتك.”
خرجتُ من اللقاء وأنا أدرك أن ما قيل لم يكن مجرد إجابات، بل ما يشبه وصفة عمل لمهنة تحتاج إلى وعي قبل أي شيء آخر، وصفة تُمارس بالتدريب، وتُصان بالأخلاق، ويُكتب سطرها الأول بالشغف، كما أنه في سياق إقليمي متشابك، تمثل تجربة “خضر” نموذجًا لقيادة أكاديمية مصرية استطاعت أن تجمع بين الجذور البحثية العميقة، والانفتاح المؤسسي العربي.





