سوريا بين العاصفة النفطية والفرصة التاريخية

الصحفي محمد رائد كعكة

تعيش أسواق الطاقة العالمية مرحلة من الاضطراب غير المسبوق نتيجة التصعيد الإقليمي المتزايد، وهو اضطراب يعيد رسم خريطة المصالح الاقتصادية والسياسية في العالم. ففي كل أزمة كبرى، لا تتساوى الدول في موقعها من الخسارة أو الربح؛ فبعضها يكتفي بردّ الفعل ومحاولة احتواء الأضرار، بينما تدرك دول أخرى أن الأزمات قد تكون لحظات نادرة لإعادة التموضع وصناعة النفوذ.

ومن هذا المنطلق، يطرح الواقع الحالي سؤالاً مهماً: هل يمكن لسوريا أن تتحول من دولة متأثرة بالتحولات الإقليمية إلى لاعب مؤثر في معادلة الطاقة؟

إن فهم المشهد يبدأ من مضيق هرمز، أحد أهم الشرايين الحيوية للاقتصاد العالمي. فقرابة عشرين مليون برميل من النفط تعبر يومياً عبر هذا الممر البحري، إضافة إلى نحو 20% من صادرات الغاز الطبيعي المسال في العالم، بقيمة سنوية تقدّر بأكثر من 520 مليار دولار. أي اضطراب في هذا المضيق لا يظل مشكلة إقليمية فحسب، بل يتحول فوراً إلى أزمة عالمية تؤثر في الأسعار وسلاسل الإمداد والاقتصادات الكبرى.

وقد بدأت آثار هذا التوتر تظهر بوضوح؛ فقد تجاوز سعر برميل النفط حاجز المئة دولار، وتراجعت حركة بعض ناقلات النفط العملاقة خوفاً من الاستهداف، كما تعرضت منشآت طاقة استراتيجية في المنطقة لأضرار أدت إلى اضطراب الإمدادات وارتفاع أسعار الغاز في أوروبا بنسب كبيرة.

في مثل هذا المناخ المضطرب، تتبدل قواعد اللعبة. فالدول التي تمتلك موقعاً جغرافياً مهماً أو موارد طاقة يمكنها أن تتحول إلى عقدة استراتيجية في شبكة الإمدادات العالمية. وهنا تحديداً يبرز السؤال: هل تستطيع سوريا استثمار موقعها وإمكاناتها المحدودة نسبياً لتحجز لنفسها موقعاً مؤثراً في هذه المعادلة؟

تشير التقديرات إلى أن الإنتاج السوري من النفط الخام يقترب من مئة ألف برميل يومياً، في حين تسعى البلاد إلى رفع إنتاج الغاز خلال السنوات المقبلة. ورغم أن هذه الأرقام لا تجعل سوريا من كبار المنتجين، فإن القيمة الحقيقية تكمن في الجغرافيا أكثر من الكميات. فسوريا تقع على مفترق طرق يربط بين الخليج والعراق والبحر المتوسط، وهو موقع استراتيجي يمكن أن يتحول إلى ورقة قوة إذا أُحسن استثماره.

أول خطوة في هذا المسار يجب أن تبدأ من الداخل. فالمبدأ الاقتصادي البسيط يقول إن أرخص طاقة هي تلك التي تنتجها محلياً. ومن هنا، فإن توجيه الإنتاج المحلي إلى المصافي الوطنية وتغطية احتياجات السوق الداخلية قد يكون أكثر جدوى من تصدير النفط الخام بأسعار مرتفعة ولكن مع مخاطر نقل كبيرة. فتوفر الطاقة بأسعار مستقرة يمكن أن يمنح الصناعة السورية ميزة تنافسية مهمة في مرحلة سترتفع فيها تكاليف الإنتاج في العديد من الدول.

أما الخطوة الثانية فتتمثل في استعادة الدور الجيوسياسي لخطوط الأنابيب التاريخية، وعلى رأسها خط كركوك – بانياس. ففي حال استمرار المخاطر التي تهدد طرق الشحن التقليدية، قد يصبح البحر المتوسط منفذاً استراتيجياً بديلاً لصادرات النفط العراقية. وإذا ما أُعيد تشغيل هذا الخط ضمن شراكة متوازنة مع العراق، فإن سوريا لن تحصل فقط على عائدات عبور، بل يمكنها أيضاً أن تفاوض على نقل التكنولوجيا وتطوير بنيتها التحتية في قطاع الطاقة.

ولا تقل أهمية عن ذلك إقامة شبكة مصالح اقتصادية مع دول الجوار، مثل الأردن ولبنان، عبر اتفاقيات توريد طاقة أو تعاون تجاري أوسع. فحين تصبح استمرارية الطاقة مرتبطة باستقرار دولة ما، يتحول استقرارها تلقائياً إلى مصلحة إقليمية مشتركة.

غير أن أي استراتيجية طاقة لا يمكن أن تنجح من دون بنية حماية فعالة. فالبنية التحتية للطاقة غالباً ما تكون هدفاً مباشراً في أوقات التوتر. ولهذا فإن توزيع الإنتاج على وحدات متعددة، وتعزيز الحماية التكنولوجية للمنشآت، والاستفادة من منشآت التخزين الاستراتيجية تحت الأرض، يمكن أن يشكل عناصر أساسية لضمان استمرارية الإمدادات حتى في ظروف عدم الاستقرار.

إلى جانب ذلك، تمثل التكنولوجيا فرصة حقيقية لتعويض محدودية الموارد. فالتوجه نحو رقمنة الحقول النفطية واستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في إدارة الإنتاج يمكن أن يرفع كفاءة الاستخراج بشكل كبير، ما يسمح بزيادة الإنتاج دون استثمارات ضخمة في عمليات الحفر الجديدة.

إن الفكرة الجوهرية هنا ليست أن تتحول سوريا فجأة إلى قوة نفطية عالمية، بل أن تتحول إلى عقدة طاقة إقليمية لا يمكن تجاوزها بسهولة. فالقوة في عالم الطاقة لا تُقاس فقط بحجم الإنتاج، بل أيضاً بالقدرة على التحكم في طرق الإمداد وتأمين البدائل.

لقد قال القائد العسكري الصيني سون تزو إن “الفرص تولد من قلب الأزمات”. وربما تكون هذه القاعدة أكثر وضوحاً في عالم الطاقة من أي مجال آخر. فالأزمات التي تهز الأسواق العالمية قد تكون في الوقت ذاته لحظة تاريخية للدول التي تمتلك الجرأة والرؤية لإعادة تعريف دورها.

والسؤال الذي يبقى مفتوحاً: هل تستطيع سوريا تحويل موقعها الجغرافي وإمكاناتها المتاحة إلى ورقة قوة استراتيجية، أم أنها ستبقى مجرد متأثر آخر بعواصف الطاقة التي تعيد تشكيل العالم؟

كاتب

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى