بين الولاء والكفاءة… أي دولة نريد؟


الكاتب : محمد مصطفى عيد

مرّ عام كامل، ودخلنا في العام الثاني من عمر المرحلة الانتقالية في سوريا ، ولا يزال ملف التعيينات في مؤسسات الحكومة المؤقتة يثير تساؤلات لا يمكن تجاهلها.
ليس لأن الناس تبحث عن أخطاء لتصيدها، بل لأن شكل البدايات يرسم ملامح المستقبل.
في أي دولة محترمة، يكون معيار التعيين واضحاً: الكفاءة، الخبرة، السجل المهني، والقدرة على الإدارة.
أما عندما يصبح المعيار غير المعلن هو الولاء، أو الانتماء الجغرافي، أو القرب من دوائر النفوذ، فهنا نحن لا نتحدث عن إدارة مرحلة انتقالية، بل عن إعادة إنتاج نموذج مألوف بوجوه مختلفة.
قد يُقال إن هذه انتقادات نظرية، وإن الجيل الجديد الذي يتسلم المواقع القيادية يمتلك طاقة ومعرفة ورؤية حديثة. لا أحد يعارض تمكين الشباب، بل على العكس، التجديد ضرورة.
لكن تمكين الشباب لا يعني إقصاء الخبرات.
وتجديد الدماء لا يعني استبدال معيار الكفاءة بمعيار الاصطفاف.
الأخطر من ذلك، أن استبعاد الكفاءات الحقيقية — لمجرد أن انتماءها لا ينسجم مع توجه فصيل بعينه — هو خطأ استراتيجي قبل أن يكون ظلماً فردياً.
الدولة لا تُدار بعقلية فصيل، ولا تُبنى بروح الجماعة المغلقة، ولا تستقر بمنطق “نحن ومن معنا”.
كنا جميعاً ضد التسرع في الحكم خلال الأشهر الأولى. الحكومة الانتقالية استلمت بلداً مدمَّراً، ومؤسسات منهارة، وإرثاً ثقيلاً من عقود الاستبداد في عهد نظام الأسد الساقط.
لكن التفهّم لا يعني الصمت إلى ما لا نهاية.
والصبر على التأسيس لا يعني القبول بالتأسيس الخاطئ.
عندما تتحول التعيينات غير المتوازنة إلى نهج، وعندما يصبح تمثيل بعض المكونات مجرد نسبة تجميلية هامشية، فنحن أمام خلل بنيوي لا يمكن تبريره بالشعارات.
لا يمكن بناء ثقة وطنية بمنطق “الحصة الرمزية”، ولا يمكن طمأنة مجتمع متنوع بقرارات تُشعره بأنه خارج المعادلة.
أما حملات التبرير الإلكترونية، ومحاولات تصوير كل نقد على أنه استهداف أو تشكيك، فهي تزيد الهوة ولا تردمها.
الدول القوية لا تخاف من النقد، بل تعتبره صمام أمان.
والثقة لا تُفرض عبر المنصات، بل تُبنى عبر العدالة في الفرص.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث في هذه المرحلة هو تأسيس منظومة إدارية ضعيفة الخبرة، محدودة الأفق، تُدار بعقلية الولاء قبل الكفاءة.
هذا ليس خطأً عابراً، بل بذرة أزمة مستقبلية.
مظلوميات تتراكم، شعور بالإقصاء يتسع، وغضب شعبي قد ينفجر في لحظة لا يمكن احتواؤها.
سوريا اليوم لا تحتاج إلى صورة جديدة لسلطة قديمة.
ولا إلى استبدال مركز نفوذ بآخر.
ولا إلى استيراد شرعية من الخارج أو الاتكاء على حسابات دولية لا ترى في سوريا سوى مصلحة عابرة.
سوريا تحتاج إلى عقل دولة.
عقل يؤمن أن كل أبنائها شركاء، لا تابعين.
عقل يقدّم الكفاءة على الولاء، والعدالة على الاصطفاف، والمصلحة الوطنية على حسابات اللحظة.
فإما أن نؤسس لدولة تتسع للجميع،
وإما أن نعيد إنتاج الانقسام بأدوات جديدة… ونخسر مرة أخرى.

كاتب

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى