صناعة الإسلاموفوبيا
كيف يخدم تشويه الإسلام المصالح الجيوسياسية الغربية
بقلم: حسام تاج الدين
منذ بزوغ فجر الإسلام قبل أكثر من 1400 عام، لم يعرف الفكر الإسلامي الأصيل مصطلح “الإرهاب” بمفهومه المعاصر الذي يوصم به اليوم. فالتاريخ الإسلامي، الممتد عبر عهود الصحابة والتابعين والخلفاء قاطبة، تأسس على قاعدة فقهية وإنسانية صلبة تقول: “من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً”.

هذه القيم التي تُجرّم ترويع الآمنين نادراً ما تجد طريقها لشاشات الإعلام الغربي لا بل غالباً يتم عولمتها، بينما الإرهاب المرتبط بأديان أخرى أو لا دينيين غالباً ما يتم تصنيفه كـ “نزاع محلي”، “جريمة كراهية”، أو “اضطراب سياسي” أو “حوادث فردية”، وتميل لتغليب الرواية التي تخدم المصالح الجيوسياسية تحت ستار “الحرب على الإرهاب”، وهي ذريعة تُستخدم في بعض الأحيان كغطاء للتدخل في شؤون الدول واستنزاف مواردها.
رسالة سلام أبدية في وجه دعاوى الإرهاب
لقد وضع الرسول الكريم محمد ﷺ معياراً عالمياً للمواطنة والإنسانية حينما قال: “المؤمن من أمنه الناس” حيث جاء اللفظ عاماً ليشمل البشرية جمعاء، دون تمييز على أساس دين أو عرق أو لون.
ولو كان الترويع وسيلة مشروعة للسيطرة، لكان النبي ﷺ أول من وجه أتباعه للانتقام ممن طردوه وعذّبوه في مكة، لكنه عوضاً عن ذلك، أرسى قيم العفو والأمان، وكان يؤمّن المستجير به حتى لو كان من ألد أعدائه، ضارباً أروع الأمثلة في “أخلاقيات الحرب” و”فقه التعايش”.
الإرهاب المعاصر: وليد السياسة الحديثة لا الفكر الإسلامي الأصيل
ظهر مصطلح “الإرهاب” بشكله المسيس الحديث في أعقاب الحرب الأفغانية – السوفيتية، وبلغ ذروته بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر في نيويورك، ومنذ ذلك الحين، تمَّ تعميم المصطلح بشكل نمطي ومقصود على المسلمين، ليصبح “ذريعة” قانونية وأخلاقية للتدخل الدولي.
لقد برزت مصطلحات موازية تهدف إلى تطويق الهوية الإسلامية، مثل “الإسلام اليساري” و”الإسلاموفوبيا”، وأضحى الصمت الدولي مطبقاً تجاه جرائم كبرى ترتكبها دول وأنظمة مثلما حدث في ميانمار ضد الروهينجا، أو تعديات الحكومة الهندية على المسلمين الهنود التي اتخذت منحى رسمي مدعوم من الحكومة، بينما تتحول أي جريمة يرتكبها فرد يدّعي الانتساب للإسلام إلى قضية دولية تدمغ مليارين من المسلمين بوصمة العار.
تشير الإحصائيات الواقعية إلى أن نسبة من يمكن تصنيفهم كمتطرفين لا تتجاوز0.0119% من مجموع المسلمين حول العالم، أي أنها نسبة مجهرية مقارنة بتعداد المسلمين، ومع ذلك، تُكرس الآلة الإعلامية الغربية جهودها لترسيخ صورة نمطية مشوهة في عقول الشباب. حيث بات المسلمون مرّهبين من الغرب وصودرت حقوقهم الدينية والمدنية وأغلقت دور عباداتهم وجمعياتهم الخيرية والمدارس الإسلامية ويفرض عليهم تغير إيديولوجي ممنهج لتسطيح ثقافتهم ودينهم وطمس هويتهم.
يصعب جداً حصر نسبة مئوية دقيقة للإرهابيين، وذلك لسببين، الأول هو أن المنظمات الدولية (مثل الأمم المتحدة) ومراكز الأبحاث (مثل معهد الاقتصاد والسلام IEP) لم تعد تصنف الإرهاب بناءً على “الدين” فقط، بل بناءً على الأيديولوجيا.
ومع ذلك، يمكن رسم صورة تقريبية بناءً على التقارير الصادرة في 2025 و2026 حول التيارات الإرهابية العالمية. أهمها:
إرهاب أقصى اليمين (الأيديولوجيات القومية والعرقية)، هذا النوع من الإرهاب لا ينطلق دائماً من منطلق ديني محض، بل من منطلق “تفوق العرق الأبيض” أو “كراهية المهاجرين”، ويتركز بشكل أساسي في أوروبا، أمريكا الشمالية، وأستراليا، وينحدر أغلب المنتمين لها من خلفيات مسيحية أو لادينيون يؤمنون بصراع الحضارات وتشير الإحصاءات في عام 2024 و2025، أن هجمات أقصى اليمين شكلت نحو 20% إلى 25% من العمليات الإرهابية في الدول المتقدمة.
الجماعات المسلحة في آسيا (خلفيات بوذية وهندوسية)، هذه الجماعات تمارس العنف المسلح بناءً على هويات دينية وقومية، على رأسها الميليشيات القومية البوذية في ميانمار التي مارست عمليات تطهير عرقي صُنفت دولياً كإرهاب دولة أو جرائم ضد الإنسانية.
الجماعات الهندوسية الهندية، وهي مدعومة من الحكومة الهندية على كافة مستوياتها بشكل علني مخالفاً لدستور الهند ووالقوانين الدولية، على رأسها جماعات “الناكسال” وهم شيوعيين لادينيين وجماعات قومية هندوسية متطرفة تخوض نزاعات مسلحة. وتتنامى هذه المجموعات بسبب الدعم الحكومي لها.
الإرهاب اليساري واللاديني، ويتزعمه المنظمات الماركسية واللينينية مثل جيش التحرير الوطني في كولومبيا (ELN) أو جماعات في الفلبين. هؤلاء “لادينيون” أو “ملحدون” من الناحية الأيديولوجية. بناءً على التقارير، فإن العمليات الإرهابية ذات الدافع السياسي الصرف (شيوعية، فوضوية) تشكل حوالي 10% إلى 15% من النشاط الإرهابي العالمي حالياً.
رسالة سلام أبدية في وجه دعاوى الإرهاب
والتساؤل المشروع هنا لماذا لا تُستخدم النصوص القرآنية والأحاديث النبوية التي تدعو للسلام كأداة للتوعية ومواجهة الفكر المتطرف الذي هو نتاج غسيل أدمغة أيديولوجي، بدلاً من الاعتماد الكلي على المقاربات الأمنية والتجسس والضغط العسكري؟
الإجابة تكمن في أن الهدف على الغالب ليس استئصال الفكر المتطرف، بل فرض الهيمنة السياسية والاقتصادية.
تتجلى ازدواجية المعايير في الضبابية في تعريف الإرهاب، ورفض القوى الكبرى وضع تعريف إجرائي دولي موحد للإرهاب. هذا الغموض ليس عبثياً، بل هو مقصود لتحقيق مآرب عدة، أولها الاستثناء السياسي لكي لتبقى القوى الكبرى بمنأى عن المساءلة القانونية أو تصنيف أفعالها كـ “جرائم حرب”.، حتى وإن أدين من هو محمي من القوى الكبرى فإنه يستثنى من العقوبة التي تنادي بها نفس هذه الدول حين تتوافق مع مصالحها لاستهداف مناهضيهم.
الهيمنة الدولية واستنزاف الموارد تحت ستار “الحرب على الإرهاب“
كما تهدف لمحاصرة حركات التحرر لضمان وصم أي حركة نضال ضد الاحتلال أو التبعية بـ “الإرهاب”، كما نرى في استمرار الهيمنة على موارد القارة الأفريقية، وليبقى مصطلح الإرهاب “مطاطياً” يمكن تمديده أو تقليصه وفقاً لبوصلة المصالح الاقتصادية والسياسية للقوى المتحكمة.
المجمل أن هذه الدول تسعى لأن يبقى ما هو مُحرّم على غيرهم مباحاً لها وأن يبقى شعار محاربة الإرهاب شعاراً مطاطاً يمكِّنهم من التدخل في شؤون الآخرين، كلما اقتضت مصالحهم ذلك.
لقد أنصف البابا فرنسيس الحقيقة عندما رفض الربط بين الإسلام والإرهاب، مؤكداً في تصريحاته “ليس صحيحاً أن الإسلام هو الإرهاب.. ولا أعتقد أنه من الصواب الربط بين الإسلام والعنف”، بل وحذر أوروبا من أن سياسات التهميش هي التي تدفع بعض الشباب نحو التطرف.
المعيار النبوي العالمي للمواطنة والإنسانية
إن يد الإسلام كانت وما زالت بريئة من دماء الأبرياء، وما نبصره من تصرفات لبعض الجماعات أو القادة الديكتاتوريين الذين يقتلون ويشردون باسم الدين، ما هم إلا “عبدة سلطة ومال” لا يمثلون إلا أنفسهم. إن المرجعية الحقيقية هي وصية نبينا: “وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان”. إنها دعوة للسلام العالمي القائم على العدل، لا على الترهيب والابتزاز.