الأندلس… حين يصبح طمس الهوية جزءًا من صراع السلطة

مها الأطرش

من سقوط غرناطة إلى أطلال مدينة الزهراء، حكاية حضارة واجهت محاولات طمس هويتها، وصراعات داخلية بدّدت جانبًا من إرثها.

ثمانية قرون من الحضارة والعلم والعمران، انتهى حكمها الإسلامي في الأندلس بسقوط غرناطة عام 1492، لتبدأ مرحلة جديدة من التحولات السياسية والدينية والثقافية، طالت الإنسان والمكان والذاكرة.

فبعد سقوط غرناطة، تعرّض المسلمون لضغوط متزايدة، وحُوّلت مساجد إلى كنائس، وأُعيد تشكيل معالم المدن، كما أُحرقت كتب ومخطوطات عربية، وفُرضت قيود على اللغة والعادات والممارسات المرتبطة بالهوية الإسلامية.
وفي مراحل لاحقة، تعرّض الموريسكيون، وهم أحفاد المسلمين الذين اعتنقوا المسيحية رسميًا، للاضطهاد والتهجير الجماعي، وصولًا إلى عمليات الطرد التي شهدتها إسبانيا بين عامي 1609 و1614.

لكن ما استوقفني خلال محاضرة عن الأندلس حضرتها مؤخرًا في مكتبة محمد بن راشد في دبي، لم يكن سقوط غرناطة وحده، ولا ما أعقبه من محاولات لتغيير هوية المكان وسكانه، بل حكاية أخرى تكشف وجهًا مختلفًا من مأساة الحضارات؛ حكاية مدينة الزهراء.

مدينة بناها المجد وبدّدها الصراع

على مقربة من قرطبة، شيّد الخليفة الأموي عبد الرحمن الناصر في القرن العاشر الميلادي مدينة الزهراء، لتكون مقرًا ملكيًا يعكس قوة الدولة الأموية وازدهارها، وشاهدًا على ما بلغته الأندلس من تقدم في العمارة والفنون والتنظيم الحضري.

غير أن هذه المدينة التي ارتبطت بمجد الدولة، لم تصمد أمام صراعات أبنائها. ففي مطلع القرن الحادي عشر، وخلال الفتنة التي عصفت بالخلافة الأموية في قرطبة، تعرّضت الزهراء للنهب والتخريب، ولا سيما خلال أحداث عام 1010، في سياق الصراع بين القوى المتنافسة على الحكم.

وهنا تكمن المفارقة المؤلمة: لم يكن الدمار نتيجة غزو خارجي فحسب، بل كان الاقتتال الداخلي نفسه أحد العوامل الأساسية التي أدت إلى تدمير المدينة وتراجعها، قبل أن تتحول مع مرور الزمن إلى أطلال تحمل آثار حضارة غاب سلطانها وبقيت شواهدها.

تفتح هذه الحكاية بابًا للتأمل في مصير المدن العظيمة؛ فالحضارات لا تواجه التحديات من خارج حدودها وحده، بل قد تتعرض من داخلها لصراعات تبدّد ما راكمته الأجيال من إنجازات، وتحوّل رموز القوة إلى شواهد على الانقسام.

حين تصبح الذاكرة ساحة للصراع

من مدينة الزهراء إلى غرناطة، تتعدد صور الخسارة، لكن سؤالًا واحدًا يظل حاضرًا: ماذا يحدث حين تتغير السلطة، ولا تكتفي بإحكام سيطرتها على الأرض، بل تسعى إلى إعادة تشكيل ما تحمله من رموز وذاكرة وهوية؟

فالمعالم ليست حجارة صامتة، والكتب ليست أوراقًا عابرة، واللغة ليست مجرد وسيلة للتواصل. إنها جميعًا شواهد على هوية شعب، وذاكرة أجيال، وحكاية حضارة تشكّلت عبر قرون من العمل والإبداع والتفاعل الإنساني.

وحين تُهدم المباني وتُقام فوق مواقعها مبانٍ جديدة، أو تُصادر الكتب وتُحرق، فإن التغيير لا يطال شكل المكان وحده، بل قد يمتد إلى علاقته بماضيه، وإلى قدرة الأجيال اللاحقة على فهم ذلك الماضي واستحضاره.

وليس كل تغيير في المعالم دليلًا على خطة واحدة لمحو التاريخ، كما أن بعض الآثار الأندلسية بقيت وصمدت حتى اليوم. لكن الوقائع التاريخية تكشف كيف يمكن للسلطة، حين تقترن بالتعصب أو الرغبة في فرض هوية جديدة ، أن تجعل الثقافة والذاكرة جزءًا من صراعها على النفوذ.

ما الذي تقوله لنا الأندلس اليوم؟

إن استحضار تاريخ الأندلس ليس دعوة إلى اجترار الخسارة أو الوقوف عند الماضي، بل فرصة لفهم العلاقة بين السلطة والهوية، وبين الانقسام الداخلي والقدرة على حماية الإرث الحضاري.

فقد تتغير الحدود، وتسقط الممالك، وتتبدل أسماء المدن، لكن محو الذاكرة لا يعني محو التاريخ. وقد تختفي مدينة تحت الركام، فيما تبقى آثارها قادرة على استعادة حكايتها بعد قرون، كما حدث مع مدينة الزهراء التي أعادت أعمال التنقيب الأثري إحياء جانب من تاريخها.

ولعل الدرس الأعمق أن الحضارة لا تُقاس بما تبنيه من قصور ومدن فحسب، بل أيضًا بما تستطيع الحفاظ عليه من معرفة وذاكرة وتنوع، وبقدرتها على إدارة خلافاتها دون أن تتحول إلى أداة لهدم ما صنعته أيدي أبنائها.

لقد علّمتنا الأندلس أن المعالم قد تكون أول ما تستهدفه الصراعات، وأن الذاكرة قد تصبح إحدى ساحات تثبيت السلطة، لكنها علّمتنا أيضًا أن التاريخ أوسع من إرادة الحكام، وأن ما تحاول الأزمنة طمسه قد يعود يومًا ليطرح أسئلته من جديد.

فهل يكون طمس المعالم ومحاولة محو الهوية من أدوات بسط النفوذ، أم أن الخوف من الذاكرة هو ما يدفع بعض السلطات إلى محاربتها؟

سؤال تتركه الأندلس مفتوحًا، لا بوصفه حكاية عن ماضٍ بعيد فحسب، بل بوصفه تأملًا في مصير الحضارات، وفي مسؤولية الإنسان عن حماية ذاكرته من النسيان والصراع.

مها الأطرش

كاتب

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى