فرنسا تشتعل غضباً.. 800 ألف متظاهر يهزون الشوارع وحرائق تلتهم مباني حكومية وسط مواجهات عنيفة مع الشرطة

باريس – محمد رائد كعكة

شهدت فرنسا، يوم السبت والاحد واحدة من أوسع موجات الاحتجاجات الشعبية خلال السنوات الأخيرة، بعدما خرج مئات الآلاف من المتظاهرين إلى شوارع العاصمة باريس ومدن فرنسية أخرى، احتجاجاً على ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع الخدمات العامة والسياسات الاقتصادية للحكومة، قبل أن تتحول بعض التجمعات إلى مواجهات عنيفة مع قوات الأمن، تخللتها حرائق وأعمال تخريب ونهب طالت ممتلكات عامة وخاصة.

وبحسب وزارة الداخلية الفرنسية، شارك نحو 550 ألف شخص في 110 مظاهرات بمختلف أنحاء البلاد، بينهم 110 آلاف في باريس، بينما رفع منظمو الاحتجاجات تقديراتهم إلى نحو 800 ألف مشارك، في مؤشر على اتساع الغضب الشعبي وتزايد الضغوط الاجتماعية والاقتصادية.

وامتدت المظاهرات إلى مدن ليون ومرسيليا وليل وبوردو وليموج، حيث رفع المشاركون مطالب بتحسين الأجور والمعاشات التقاعدية، ومواجهة الغلاء، وزيادة الإنفاق على التعليم والخدمات الأساسية، وسط مشاركة نقابات عمالية ومنظمات طلابية ومجموعات مرتبطة بحركة السترات الصفراء التي شهدتها فرنسا عام 2018.

ورغم الطابع السلمي الذي غلب على معظم المسيرات، شهدت عدة مدن مواجهات بين مجموعات من المحتجين وقوات الشرطة، استخدمت خلالها الحجارة والمقذوفات والألعاب النارية، فيما ردت قوات الأمن بالغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه، في محاولة للسيطرة على أعمال الشغب وحماية المباني الحكومية والمراكز التجارية.

وكانت مدينة ليموج (Limoges) من أكثر المناطق تضرراً، بعدما تعرض مبنى البلدية التاريخي، الذي يعود إلى القرن التاسع عشر، لحريق هائل إثر اقتحامه من قبل أشخاص ملثمين، وفق السلطات المحلية.

وامتدت النيران إلى سقف المبنى، متسببة في أضرار جسيمة وانهيار برجه التاريخي، في مشهد أثار صدمة واسعة بين السكان، خصوصاً أن المبنى يُعد من أبرز المعالم المعمارية للمدينة، ويعود افتتاحه إلى عام 1883.

وأعادت مشاهد الحريق إلى أذهان الفرنسيين كارثة احتراق كاتدرائية نوتردام في باريس عام 2019، فيما انتقد رئيس بلدية ليموج ضعف الوجود الأمني حول المبنى، معتبراً أن الهجوم كان متعمداً وشديد العنف.

ولم تقتصر الأضرار على ليموج، إذ شهدت العاصمة باريس عمليات تحطيم واجهات محال تجارية ونهب ممتلكات وإحراق سيارات، بينما تعرضت مبان عامة وتجارية في مدن أخرى للاقتحام والتخريب، ما دفع السلطات إلى تكثيف انتشار قوات الأمن.

وأثارت المشاهد العنيفة موجة من الإدانات السياسية، حيث تعهد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بملاحقة المسؤولين عن أعمال النهب والتخريب ومحاسبتهم، مؤكداً رفض الاعتداء على مؤسسات الدولة وممتلكات المواطنين.

من جانبه، حمّل وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز مجموعات من اليسار المتطرف مسؤولية التحريض على بعض أعمال العنف، مشيراً إلى وجود مجموعات ملثمة شاركت في مهاجمة قوات الأمن والممتلكات العامة. وتبقى هذه الاتهامات بحاجة إلى إثبات المسؤولية الفردية عبر التحقيقات والإجراءات القضائية، دون تعميمها على المشاركين في الاحتجاجات السلمية.

وفي المقابل، شددت أطراف سياسية ونقابية على ضرورة عدم اختزال المطالب الاجتماعية لمئات الآلاف من المتظاهرين في مشاهد العنف، معتبرة أن الاحتجاجات تعكس أزمة أعمق تتعلق بتراجع القدرة الشرائية، والضغوط المتزايدة على الأسر الفرنسية، وعدم الرضا عن السياسات الحكومية.

وتعيد هذه التطورات إلى الواجهة التساؤلات حول مستقبل الاستقرار الاجتماعي والسياسي في فرنسا، خصوصاً مع اقتراب الانتخابات الرئاسية المقبلة، وتصاعد الانقسامات بين القوى السياسية بشأن سبل معالجة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية.

وبينما تواصل السلطات الفرنسية تقييم حجم الأضرار وملاحقة المتورطين في أعمال العنف، تبدو البلاد أمام تحدٍ مزدوج يتمثل في حماية حق المواطنين في التعبير والتظاهر السلمي، والحفاظ على الأمن العام ومنع الاعتداء على الممتلكات والمؤسسات.

ويبقى السؤال الأبرز: هل تتمكن الحكومة الفرنسية من احتواء الغضب الشعبي عبر معالجة أسبابه الاقتصادية والاجتماعية، أم أن البلاد مقبلة على موجة جديدة من الاحتجاجات قد تعيد إلى الأذهان سنوات اضطرابات السترات الصفراء؟

كاتب

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى