
محمد رائد كعكة – أمستردام
أكدت مؤسسات الاتحاد الأوروبي والجهات المعنية ضرورة توحيد الجهود لتعزيز التعاون بين المدنيين والعسكريين، باعتباره ركيزة أساسية لبناء الثقة وضمان جاهزية الاتحاد في أوقات السلم والأزمات على حد سواء. وقد جاء ذلك خلال نقاش عُقد في الجلسة العامة لشهر مارس للمجلس الاقتصادي والاجتماعي الأوروبي (EESC)، حيث تم التشديد على أن التنقل العسكري يمثل عنصرًا محوريًا لاستقلالية أوروبا، ويجب أن يرتكز على البنية التحتية، والاحترام الاجتماعي، وإدارة الحدود.
وأشار المجلس إلى أنه يضع هذا الملف في صميم النقاش الأوروبي، داعيًا إلى شراكة واسعة بين المؤسسات الأوروبية وجميع الأطراف ذات الصلة لجعل الاتحاد أكثر أمانًا وقدرة على التحرك بفعالية.
ورغم نجاح الاتحاد الأوروبي في إنشاء سوق موحدة متطورة تتيح انتقال السلع بسهولة عبر الحدود، فإنه لا يزال يواجه تحديات عند نقل المعدات والموارد الأمنية، سواء بسبب العوائق المادية أو الإجراءات البيروقراطية.
وفي هذا السياق، شدد رئيس المجلس، شيموس بولاند، على أن تعزيز التعاون المدني-العسكري لم يعد خيارًا، بل ضرورة حتمية، مؤكدًا أن هذا التعاون يجب أن يقوم على الثقة والشفافية. وأوضح أن التنقل العسكري لا يقتصر على تحريك المعدات، بل يتعلق ببناء الثقة بين المدنيين والعسكريين، وبين الحكومات ومشغلي النقل.
وأضاف أن هذه المهمة لا تقع على عاتق الحكومات وحدها، بل تشمل صناع القرار، والمخططين العسكريين، والشركات، ومشغلي النقل، والعمال، والطواقم الطبية، والسائقين، وصولًا إلى المواطنين الذين يعتمدون على هذه المنظومة.
من جانبها، أكدت مايا باكران، نائبة المدير العام في المديرية العامة للتنقل والنقل بالمفوضية الأوروبية، أهمية التعاون على جميع المستويات، مشيرة إلى حزمة “التنقل العسكري” التي قدمتها المفوضية في نوفمبر 2025، والتي تهدف إلى تسهيل حركة القوات والمعدات العسكرية بسرعة داخل الاتحاد الأوروبي.
وفي الإطار ذاته، أوضح مسؤول في حلف شمال الأطلسي (الناتو) أن التنقل العسكري عنصر أساسي للردع، إذ إن القدرة على نشر القوات بسرعة تعزز من قوة الردع وتحد من احتمالات العدوان.
غير أن استخدام البنية التحتية المدنية لأغراض عسكرية يتطلب تقييمًا دقيقًا للمخاطر، حيث شددت اللجنة الدولية للصليب الأحمر على ضرورة حماية المدنيين، محذرة من أن المنشآت المدنية قد تتحول إلى أهداف عسكرية، ما يستدعي تحديد أدوار المدنيين وضمان حمايتهم بشكل واضح.
التعاون المدني-العسكري: ركيزة الاستقلال الأوروبي
من خلال تبني رأي أعده توماس أرفيدسون، قدم المجلس مساهمة مهمة لتجاوز العقبات التي تعيق التنقل العسكري، مؤكدًا أن هذا الملف يمثل العمود الفقري لاستقلالية أوروبا، ولا يقتصر على العسكريين وحدهم.
وأوضح المجلس أن تحقيق هذا الهدف يتطلب التركيز على ثلاثة محاور رئيسية:
أولًا: البنية التحتية
تعتمد قوة البنية التحتية على الموارد البشرية التي تديرها، إلا أن نقص العمالة، خاصة غياب نحو 100 ألف سائق، يمثل تهديدًا استراتيجيًا للاقتصاد والأمن الأوروبيين.
ثانيًا: الاحترام الاجتماعي
يرتبط تعزيز الصمود بتقدير العاملين في قطاع النقل، حيث يجب التعامل مع السائقين كشركاء أساسيين، من خلال توفير تعويضات عادلة، وتدريب مناسب لنقل المعدات العسكرية، وضمانات قانونية وتأمينية تمتد عبر الحدود.
ثالثًا: إدارة الحدود
تحتاج أوروبا إلى إطار موحد يحدد أولويات النقل العسكري، ويضمن تسهيل الإجراءات الجمركية وتعويض المشغلين بشكل عادل، مع تجنب تعطل السائقين بسبب تعقيدات إدارية.
رؤية المجتمع المدني
تضمن رأي المجلس وجهات نظر المجتمع المدني المنظم، حيث أكد ممثلو أصحاب العمل أن التنقل العسكري يعد اختبارًا لقدرة أوروبا على مواجهة التحديات الأمنية، وأن الاستثمار فيه يعزز الترابط داخل السوق الموحدة ويقوي الاستقلال الاستراتيجي.
من جانبهم، شدد ممثلو العمال على ضرورة أن يستند هذا التعاون إلى تخطيط استراتيجي يحافظ على معايير العمل ولا يؤدي إلى تدهور ظروفه، مع التأكيد على أهمية تحقيق التوازن بين الجاهزية الدفاعية والعدالة الاجتماعية.
وفي ختام النقاش، تم التأكيد على أن أوروبا بحاجة ماسة إلى تطوير بنيتها التحتية متعددة الاستخدامات، خاصة على المحور الشرقي-الغربي، من خلال تسريع تحديثها، وتعزيز الابتكار، وبناء نظام نقل مستدام ومرن يلبي متطلبات الأمن والتنقل في المستقبل.





