Site icon NL NEWS Agency

وهم «المهاجر الاستثنائي»… لماذا لا يمنح تأييد اليمين المتطرف حصانة لأحد؟

الصحفي – محمد رائد كعكة

تشهد الساحة السياسية الأوروبية خلال السنوات الأخيرة مفارقة تستحق التأمل؛ إذ بات بعض المهاجرين، ولا سيما القادمين من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، من أبرز المدافعين عن بعض أحزاب اليمين القومي والشعبوي. لا يكتفون بتبرير سياسات هذه الأحزاب، بل يتبنون خطابها بحماسة، ويذهب بعضهم إلى مهاجمة مجتمعاتهم الأصلية باعتبارها السبب الرئيس في تصاعد المخاوف الأوروبية من الهجرة.

ويستند هذا الموقف إلى قناعة تبدو، في ظاهرها، منطقية: المشكلة ليست مع المهاجرين عمومًا، وإنما مع من يرفضون الاندماج أو يتمسكون بأنماط ثقافية ودينية يُنظر إليها باعتبارها متعارضة مع القيم الأوروبية. أما المهاجر الذي يحترم القانون، ويتبنى قيم المجتمع الجديد، وينتقد الممارسات السلبية في بيئته الأصلية، فلن يكون هدفًا لهذا الخطاب.

لكن هذه الفرضية، عند إخضاعها لقراءة سياسية أعمق، تبدو أقل صلابة مما يعتقد أصحابها.

الاندماج… أم البحث عن القبول؟

من الطبيعي أن يسعى أي مهاجر إلى الاندماج في المجتمع الذي اختار العيش فيه، وأن يحترم قوانينه وقيمه الديمقراطية. لكن ثمة فرقًا كبيرًا بين الاندماج بوصفه مشاركة إيجابية في المجتمع، وبين تحويله إلى محاولة دائمة لإثبات الاستحقاق، أو إلى إعلان قطيعة مع الهوية الأصلية اعتقادًا بأن ذلك سيمنح صاحبه قبولًا سياسيًا واجتماعيًا.

ففي عدد من التيارات القومية المتشددة، لا يُنظر إلى الأفراد بوصفهم حالات مستقلة، وإنما باعتبارهم جزءًا من تصورات أوسع تتعلق بالهوية الوطنية والهجرة والانتماء الثقافي. ولذلك، فإن السيرة الشخصية أو درجة الاندماج لا تكون دائمًا العامل الحاسم في تشكيل الموقف منهم.

أسطورة «المهاجر الاستثنائي»

تعرف الأدبيات السياسية ظاهرة استخدام النماذج الفردية لإضفاء الشرعية على خطاب عام. فقد يُستشهد بمهاجر يؤيد حزبًا قوميًّا بوصفه دليلًا على أن الحزب لا يعادي المهاجرين، وإنما يعارض الهجرة غير المنضبطة أو ضعف الاندماج.

غير أن وجود هذه النماذج لا يعني بالضرورة أن الرؤية الفكرية للحزب تجاه الهجرة قد تغيرت، بل قد يؤدي وظيفة رمزية تساعد على نفي اتهامات التمييز، دون أن تعكس تحولًا حقيقيًا في مفهوم الهوية والانتماء.

ومن هنا، فإن الاعتقاد بأن تأييد خطاب معين يمنح صاحبه موقعًا استثنائيًا داخل مشروع سياسي يقوم أساسًا على التشدد في قضايا الهجرة، يظل رهانًا يحتاج إلى كثير من الحذر.

هل المسألة دينية فعلًا؟

إحدى أكثر الحجج تداولًا بين بعض المؤيدين لأحزاب اليمين هي أن الخلاف ينحصر في الإسلام أو في ثقافة الشرق الأوسط، وأن التخلي عن هذه الخلفية كفيل بإزالة أسباب الرفض.

غير أن الواقع السياسي الأوروبي يبدو أكثر تعقيدًا من هذا التفسير.

ففي ألمانيا، أثار مفهوم “إعادة الهجرة” (Remigration) جدلًا واسعًا بعد الكشف عن نقاشات تناولت ترحيل أعداد كبيرة من الأجانب، بمن فيهم بعض الحاصلين على الجنسية الألمانية في ظروف معينة، وهو ما فجّر احتجاجات واسعة مطلع عام 2024، وأعاد إلى الواجهة سؤالًا حساسًا حول تعريف الانتماء الوطني وحدوده.

وفي هولندا، جعل حزب الحرية بزعامة خيرت فيلدرز من تشديد سياسات الهجرة والحد من اللجوء أحد أبرز محاور برنامجه السياسي، معتبرًا أن الهجرة الجماعية تمثل تحديًا للهوية الوطنية ولقدرة الدولة على الاستيعاب.

أما في فرنسا، فيواصل حزب التجمع الوطني بقيادة مارين لوبان الدفاع عن مبدأ “الأولوية الوطنية”، الذي يقوم على منح المواطنين الفرنسيين أولوية في بعض مجالات العمل والإسكان والمساعدات الاجتماعية، انطلاقًا من رؤية تعتبر أن موارد الدولة يجب أن تُخصص أولًا لأبنائها.

ولا تعني هذه الأمثلة أن جميع أحزاب اليمين الأوروبي تتبنى الرؤية نفسها أو تتفق في برامجها، لكنها تكشف أن النقاش في عدد من الدول الأوروبية لم يعد يقتصر على مسألة الاندماج أو السلوك الفردي للمهاجر، بل امتد إلى قضايا أوسع تتعلق بالهوية الوطنية، والانتماء، ومستقبل التركيبة السكانية.

بين الدولة القومية والقومية الإثنية

من حق أي دولة أن تنظم سياسات الهجرة بما يتوافق مع مصالحها، وأن تضع شروطًا للاندماج واحترام القانون. وهذه مبادئ لا يختلف عليها كثيرون.

لكن ثمة فارقًا واضحًا بين تنظيم الهجرة بوصفها سياسة عامة، وبين الخطابات التي تجعل الأصل أو الانتماء الإثني معيارًا دائمًا للقبول داخل المجتمع.

وهنا تكمن نقطة الخلاف الجوهرية. فبعض تيارات اليمين القومي لا تنطلق فقط من سؤال: “هل اندمج هذا الشخص؟”، بل من سؤال آخر أكثر عمقًا: “هل ينتمي أصلًا إلى الجماعة الوطنية كما نتصورها؟”. وفي مثل هذا التصور، يصبح الاندماج، مهما بلغ نجاحه، غير كافٍ لتجاوز الخلفية الأصلية للفرد.

ولهذا، فإن الاعتقاد بأن تغيير نمط الحياة أو التنصل من الهوية الأصلية كفيلان بمنح المهاجر حصانة سياسية، قد لا ينسجم دائمًا مع طبيعة هذا الخطاب، الذي يركز، لدى بعض تياراته، على مفاهيم الهوية القومية والانتماء قبل أي اعتبارات فردية.

السياسة لا تُدار بالعواطف

في نهاية المطاف، تتحرك الأحزاب وفق حسابات انتخابية وبرامج سياسية، لا وفق العلاقات الشخصية أو المواقف الفردية. فإذا كان جمهور حزب معين يصوت له انطلاقًا من وعود بتشديد سياسات الهجرة أو الحد من الوجود الأجنبي، فإن مساحة الاستثناءات الفردية تصبح محدودة أمام ضرورات الخطاب الانتخابي.

ولهذا، فإن الاعتقاد بأن المهاجر المؤيد لهذا الخطاب سيحظى بمعاملة مختلفة يبقى افتراضًا يصعب التسليم به، لأن السياسات العامة تُبنى لخدمة الرؤية السياسية للحزب وقاعدته الانتخابية، لا لتكريم مؤيدين أفراد.

ولا يجوز، في المقابل، اختزال اليمين الأوروبي في كتلة واحدة؛ فهناك اختلافات واضحة بين الأحزاب المحافظة التقليدية، واليمين الشعبوي، واليمين القومي، واليمين المتطرف، كما تختلف مواقفها من دولة إلى أخرى.

لكن الثابت أن الرهان على اكتساب حصانة سياسية عبر مهاجمة المجتمع الأصلي أو المبالغة في إعلان القطيعة مع الهوية يبقى رهانًا محفوفًا بالمخاطر. فالاندماج الحقيقي لا يعني التنكر للجذور، كما أن المواطنة لا ينبغي أن تُقاس بمدى التخلي عن الهوية الأصلية، وإنما بالالتزام بالقانون، واحترام قيم المجتمع، والمشاركة في بنائه.

وفي نهاية المطاف، تبقى دولة القانون، والمساواة بين المواطنين، واحترام الحقوق والحريات، هي الضمانة الوحيدة التي لا تتغير بتغير الحكومات أو نتائج صناديق الاقتراع، أما الرهان على استثناءات سياسية أو رمزية، فقد يثبت مع مرور الوقت أنه مجرد وهم.

كاتب

Exit mobile version