الصحفي خالد فيصل الطويل
في آذار مارس 2011، شهدت سوريا انطلاق حراك شعبي واسع النطاق، اتسم في بداياته بكافة الخصائص البنيوية للـ “ثورة” من منظور العلوم السياسية؛ فقد كان حراكاً سلمياً عابراً للانتماءات الفرعية، يستهدف إحداث تغيير جذري في هيكلية السلطة والارتقاء نحو دولة القانون والمواطنة.
غير أن هذا الحراك، الذي اتسم بالشرعية الأخلاقية والمطالب الحقوقية، تعرض لعملية (عسكرة قسرية) أفضت به إلى مسارات قانونية وسياسية معقدة، ولكي نفهم لماذا تحولت هذه الحالة الوطنية الفريدة إلى ما يُوصف اليوم، في الأروقة الدولية، بـ (النزاع المسلح) أو (الحرب الأهلية)، يجب أن ننظر بتمعن إلى (هندسة العنف) كنهج اعتمده النظام السوري منذ الأيام الأولى للثورة.
العسكرة القسرية كاستجابة أمنية:
قانونياً، لا يمكن فهم التحول من (ثورة) إلى (نزاع مسلح) في الحالة السورية دون تحليل الاستجابة الأمنية للنظام.
وعندما واجهت السلطة المتظاهرين السلميين باستخدام القوة المفرطة، واستخدمت سياسات المداهمات والاعتقالات الممنهجة؛ وجد المتظاهرون أنفسهم أمام حالة (دفاع عن النفس) بموجب المبادئ الأولية للحقوق الطبيعية.
بدأ الأمر بتشكيلات عفوية لحماية التظاهرات، ثم تطور بفعل الانشقاقات والضغط العسكري إلى مجموعات منظمة استهدفت الحواجز والمراكز الأمنية والعسكرية. هذا التحول كان استجابة مباشرة لغياب أي مسار سياسي للتغيير، وتحول الصراع من (فعل سياسي) إلى (فعل عسكري) تفرضه الضرورة الميدانية.
التكييف القانوني: من الثورة إلى النزاع المسلح غير الدولي.
من منظور القانون الدولي الإنساني، يكمن الفرق الجوهري بين المفهومين في العتبة القانونية للنزاع:
1- الثورة كفعل سياسي: تُعرّف الثورة في القانون الدولي بأنها محاولة لتغيير النظام القائم، وهي عملية تفتقر إلى إطار قانوني دولي ينظمها طالما أنها بقيت في إطار الصراع الداخلي السياسي.
2- النزاع المسلح غير الدولي: عندما تصاعد العنف واستخدم النظام طيرانه وصواريخه ضد مناطق الحاضنة الشعبية للمتظاهرين، صار بالإمكان قراءة الحالة السورية تحت مظلة اتفاقيات جنيف (وتحديداً المادة الثالثة المشتركة). قانونياً.. استوفى النزاع معايير (الشِّدة) و(التنظيم)، مما نقل التوصيف من حراك سياسي مطلبي إلى نزاع مسلح غير دولي (حرب أهلية بالمفهوم التقني).
لقد أدى هذا التحول النوعي، المدعوم بالتدخلات الإقليمية والدولية (التدويل)، إلى تحويل التشكيلات الثورية من كتائب حماية إلى فصائل عسكرية تخضع لقواعد اشتباك معقدة، مما جعل التكييف القانوني للأحداث يبتعد عن “الثورة” كفعل تغيير، ليقترب من “النزاع المسلح” كحالة استنزاف.
الأكاديميون والمراقبون الدوليون والمؤسسات القانونية لم ينتقلوا إلى استخدام مصطلح “نزاع مسلح غير دولي” (حرب أهلية) لتوصيف الحالة السورية في مراحلها المتقدمة، إلا عندما اعتمدوا على عدة أسباب تقنية أصبحت تمثل واقع الأمور:
*التفكك والتقسيم: مع تصاعد وتيرة العنف، تشرذمت السيطرة على الأرض بين قوى محلية (النظام، الفصائل الثورية، الإدارة الذاتية، تنظيمات متطرفة)، مما جعل الصراع صراعاً على الأرض والسيادة بين عدة قوى داخل الدولة الواحدة.
*التدويل (الحرب بالوكالة): تحولت سوريا إلى ساحة لتصفية حسابات إقليمية ودولية، حيث دعمت أطراف دولية أطرافاً محلية، مما أدى إلى تغليب البعد العسكري (الحرب) على البعد السياسي (الثورة).
*معايير القانون الدولي: كما ذكرنا سابقاً، بمجرد وصول النزاع إلى مستوى معينٍ من الشدة والتنظيم العسكري وتعدد الأطراف المسلحة، أصبح التوصيف القانوني الدولي للأحداث هو “نزاع مسلح غير دولي”، وهو المصطلح الفني الذي يترجم سياسياً بـ “الحرب الأهلية”.
الخاتمة: الجدلية بين الشرعية والواقعية.
إن التمسك بوصف “ثورة” يعكس الاعتراف بالشرعية القانونية والأخلاقية للمطالب السورية الأولى، بينما يشير وصف “النزاع المسلح” أو “الحرب الأهلية” إلى الواقع الميداني الذي فُرض بفعل آلة القمع العسكري فيما بعد.
في السياق الأكاديمي، يُعد ما حدث في سوريا نموذجاً لـ (ثورة مُعسكرة قسراً)؛ حيث لم تكن الحرب خيار الثوار الأصيل، بل كانت النتيجة المحتومة لسياسات السلطة التي رفضت الحلول السياسية وأصرت على الحسم العسكري، مما أدخل البلاد في نفق طويل من النزاع المسلح الذي قد يمتد تأثيره القانوني والاجتماعي لأجيال قادمة.
إن انتقال سوريا من ثورة مطالب بالحقوق إلى حرب طاحنة، هو مسار تم فرضه بآلة القتل؛ حيث حوّل النظام الصراع من صراع بين (سلطة وشعب) إلى صراع وجودي بين (شعب عبر فصائل مسلحة) و(نظام إجرامي مدعوم بدول وميليشيات محلية وإقليمية).
إن التمسك بمسمى (ثورة) في الأدبيات السورية ليس مجرد ترف لغوي، بل هو اعتراف بالحقيقة التاريخية والتي مفادها أن السوريين لم يختاروا البارود كطريق للتحرير، بل اختاروا الهتافات والورود في البداية، ولكن تم إجبارهم على حمل السلاح ليدافعوا عن حقهم في الوجود بعد أن قوبلت صيحاتهم بالصواريخ.
في نهاية المطاف، سيظل الفرق بين الثورة والحرب الأهلية في سوريا محفوراً في ذاكرة من شهدوا تلك الأيام الأولى في 2011. لقد كانت ثورة بالمعنى الإنساني، حتى وإن جُرجرت قسراً إلى حرب لم تكن خياراً للثوار، بل صنعها من رفض التنازل عن كرسي السلطة حتى لو كان الثمن هو دمار الوطن بأكمله.
