الصحفي محمد رائد كعكة
يشكّل الحديث عن انسحاب مقاتلي قوات سورية الديمقراطية (قسد) من حيي الأشرفية والشيخ مقصود في مدينة حلب محطة سياسية واجتماعية بالغة الحساسية، لما لهذين الحيين من رمزية خاصة، ولما يحمله هذا التطور من تداعيات على المشهد الحلبي والسوري عموماً.
الأكراد مكوّن أصيل من الشعب السوري
من الضروري التأكيد، في أي نقاش جاد، أن الأكراد جزء أساسي وأصيل من النسيج الوطني السوري، وهم مكوّن تاريخي ساهم في بناء الدولة السورية اجتماعياً وثقافياً واقتصادياً. ولا يمكن اختزال الأكراد في إطار عسكري أو سياسي بعينه، كما لا يجوز تحميلهم تبعات قرارات فصائل مسلحة لا تمثلهم جميعاً.
فليس كل الأكراد هم جزء من قوات سورية الديمقراطية، وليس كل الأكراد يؤيدون قسد أو سياساتها. هذا التفريق أساسي لفهم الواقع بعيداً عن التعميم أو الخطاب الإقصائي.
النزوح من الأشرفية والشيخ مقصود: أرقام ودلالات
تشير الوقائع إلى أن أغلب السكان الذين نزحوا من حيي الأشرفية والشيخ مقصود باتجاه مناطق سيطرة الجيش السوري هم من الأكراد السوريين أنفسهم، إضافة إلى أعداد أقل من العرب والسريان والمسيحيين.
وهذا النزوح يعكس رغبة شريحة واسعة من السكان في البحث عن الاستقرار والأمان بعيداً عن منطق العسكرة والاشتباكات، ويؤكد أن البعد المعيشي والإنساني كان حاسماً في خيارات الأهالي.
فوائد انسحاب مقاتلي قسد من الحيين
يحمل انسحاب مقاتلي قسد مجموعة من النتائج الإيجابية المحتملة، سواء على مستوى مدينة حلب أو على المستوى الإنساني والاقتصادي:
إحلال السلام داخل مدينة حلب
إن إنهاء المظاهر المسلحة داخل المدينة يساهم في تثبيت حالة الاستقرار، ويقلل من احتمالات التوتر الأمني أو العودة إلى المواجهات.
إعادة تدوير عجلة الاقتصاد
يتمتع حيا الأشرفية والشيخ مقصود بموقع جغرافي حساس، حيث يلاصقان مناطق صناعية وتجارية مهمة مثل الليرمون والشقيف. استقرار هذين الحيين ينعكس مباشرة على النشاط الصناعي والتجاري، ويشجع عودة الورش الصغيرة والأسواق المحلية.
الاستفادة من البنية الاقتصادية المحلية
تسعى محافظة حلب للاستفادة من البنية الاقتصادية الصغيرة التي كانت قد نشأت في حي الأشرفية خلال السنوات الماضية، والتي يمكن أن تشكّل نواة لتعافٍ اقتصادي تدريجي يخدم المدينة ككل.
عودة آلاف العائلات النازحة
يعني الانسحاب عودة آلاف العائلات التي كانت نازحة في أحياء أخرى من حلب إلى منازلها، ما يخفف الضغط السكاني والاقتصادي على بقية الأحياء، ويمنح فرق الإغاثة والاستجابة الإنسانية فرصة لالتقاط الأنفاس وإعادة تنظيم جهودها.
من هم الرافضون للانسحاب؟
من المهم التمييز داخل قسد نفسها. فقوات سورية الديمقراطية ليست جسماً واحداً متجانساً، بل تتكوّن من عدة فصائل وتيارات.
الرافضون للاستسلام أو الانسحاب من مدينة حلب هم في الغالب من المجموعات المرتبطة بقيادات قادمة من جبال قنديل شمال العراق، والمعروفين اصطلاحاً بـ“القنديليين”.
هؤلاء ليسوا أكراداً سوريين في الأساس، وغالباً ما تتعارض أجنداتهم مع مصالح الأكراد السوريين أنفسهم. كما أنهم يرفضون اتفاق 10 آذار، ويتجاهلون حتى دعوات عبد الله أوجلان التي شددت على إنهاء حالة التشنج الكردي – العربي، والدعوة إلى العيش المشترك داخل سوريا.
الانسحاب كرسالة سياسية وعسكرية
من الواضح أن الحكومة السورية ستتعامل مع انسحاب قسد من حلب كإنجاز سياسي وعسكري، وستقدّمه بوصفه انتصاراً يعزز من معنويات مقاتلي وزارة الدفاع.
هذا الأمر قد ينعكس على شكل ضغوط إضافية على باقي مناطق سيطرة قسد في شمال وشرق سوريا، كما سيزيد من الضغط السياسي والعسكري على مظلوم عبدي لدفعه نحو تنفيذ اتفاق 10 آذار بشكل كامل.
إن خروج مقاتلي قسد من حيي الأشرفية والشيخ مقصود لا يجب النظر إليه كحدث عسكري فحسب، بل كفرصة لإعادة ترتيب العلاقة بين الدولة السورية ومكون كردي وطني أصيل، بعيداً عن هيمنة الفصائل العابرة للحدود.
السلام في حلب، وعودة الأهالي، وتحريك الاقتصاد، كلها مكاسب حقيقية إذا ما أُحسن التعامل مع هذا التحول بعيداً عن منطق الإقصاء أو التصعيد، وبما يخدم وحدة سوريا واستقرارها.




