Site icon NL NEWS Agency

صعود اليمين في أوروبا… لماذا يُتَّهم المهاجرون بأزمة بدأت قبل نصف قرن؟

الصحفي – محمد رائد كعكة

كيف يمكن لقارة تعاني نقصاً متزايداً في الأيدي العاملة أن تجعل من المهاجرين عنواناً للخطر؟ وكيف تتحول الهجرة، التي تحتاجها قطاعات واسعة من الاقتصاد الأوروبي، إلى مادة انتخابية رابحة للأحزاب اليمينية والشعبوية؟

هذا هو التناقض الكبير الذي تعيشه أوروبا اليوم.

فالقارة التي تتقدم في العمر بوتيرة متسارعة، وتعاني تراجعاً مستمراً في معدلات الإنجاب، وضغوطاً متزايدة على أنظمة التقاعد والرعاية الصحية، تبدو في الوقت نفسه أكثر ميلاً إلى الخطاب المتشدد تجاه المهاجرين واللاجئين.

وليس المشهد الأوروبي واحداً في جميع الدول. ففي بعض البلدان حققت الأحزاب اليمينية المتشددة مكاسب انتخابية مهمة، بينما حافظت أحزاب الوسط في دول أخرى على قدرتها على تشكيل الحكومات. لكن اللافت أن خطاب اليمين، خصوصاً في ملف الهجرة، لم يعد حكراً على أحزابه، بل أصبح جزءاً من النقاش السياسي الأوروبي، وتبنّت بعض الأحزاب التقليدية أجزاءً منه تحت ضغط المنافسة الانتخابية.

لكن السؤال الحقيقي ليس: لماذا صعد اليمين؟

بل: لماذا وجد هذا الخطاب كل هذا الصدى لدى ملايين الأوروبيين؟

وللإجابة عن هذا السؤال، علينا أن نعود إلى ما هو أبعد من أزمة اللاجئين، وأبعد حتى من العقد الأخير. فالقصة بدأت قبل أكثر من خمسين عاماً.

البداية… حين بُنيت دولة الرفاه الأوروبية

بعد الحرب العالمية الثانية خرجت أوروبا مدمرة، لكنها دخلت واحدة من أسرع فترات النمو الاقتصادي في تاريخها. ومع الانتعاش الاقتصادي ارتفعت معدلات الإنجاب بصورة كبيرة، فيما عُرف لاحقاً بجيل الطفرة السكانية (Baby Boom).

هذا الجيل لم يساهم فقط في إعادة إعمار أوروبا، بل كان الأساس الذي قامت عليه دولة الرفاه الحديثة؛ من أنظمة التقاعد، والتأمين الصحي، وإعانات البطالة، والرعاية الاجتماعية.

وكان النظام بسيطاً في فكرته.

العاملون اليوم يدفعون الضرائب والاشتراكات، ومن خلالها تُمول معاشات المتقاعدين الحاليين. وعندما يكبر هؤلاء العاملون ويتقاعدون، يأتي الجيل التالي ليمول معاشاتهم.

إنه عقد اجتماعي غير مكتوب بين الأجيال.

وقد نجح هذا النموذج لعقود، لأن عدد الداخلين إلى سوق العمل كان أكبر بكثير من عدد الخارجين منه.

عندما أصبحت أوروبا تنجب أقل

ابتداءً من سبعينيات القرن الماضي بدأ المجتمع الأوروبي يتغير.

تراجعت معدلات الإنجاب تدريجياً في معظم دول القارة، وبدأت الأسرة الأوروبية تصبح أصغر فأصغر.

تعددت الأسباب؛ ارتفاع تكاليف الحياة، وتأخر الزواج، وتغير أولويات الشباب، وزيادة مشاركة المرأة في سوق العمل، والبحث عن الاستقرار المهني قبل التفكير في الأطفال، إضافة إلى انتشار ثقافة تمنح مساحة أكبر لتحقيق الذات والاستقلالية الفردية.

ومن الطبيعي أن يكون قرار الإنجاب شأناً شخصياً لا يحق لأحد التدخل فيه.

لكن ما لم يكن واضحاً آنذاك هو أن هذه القرارات الفردية، عندما تتكرر على مستوى مجتمع كامل لعقود، تتحول إلى أزمة جماعية.

فالطفل الذي لم يولد في ثمانينيات القرن الماضي هو الموظف الذي لا يدخل سوق العمل اليوم، والطبيب الذي ينقص المستشفيات، والعامل الذي تحتاجه المصانع، ودافع الضرائب الذي كان سيمول معاشات المتقاعدين.

الأزمة التي لا تظهر إلا بعد ثلاثين عاماً

تكمن خصوصية الأزمة الديموغرافية في أنها لا تظهر فوراً.

فالانخفاض في أعداد المواليد لا ينعكس على الاقتصاد بعد سنة أو خمس سنوات، بل بعد جيل كامل.

ولهذا لم تشعر أوروبا بخطورة ما يحدث إلا عندما بدأ جيل الطفرة السكانية نفسه يدخل مرحلة التقاعد.

ارتفع متوسط العمر.

ازداد عدد كبار السن.

ارتفعت تكاليف الرعاية الصحية.

وتضخمت فاتورة التقاعد.

وفي المقابل، أصبح عدد الداخلين إلى سوق العمل أقل من السابق.

وبحسب بيانات يوروستات، فإن نسبة كبار السن إلى السكان في سن العمل ترتفع عاماً بعد آخر، وهو اتجاه سيستمر خلال العقود المقبلة إذا استمرت معدلات الإنجاب الحالية.

وهنا بدأ الضغط الحقيقي على دولة الرفاه الأوروبية.

لماذا لا تُجري الحكومات إصلاحات جذرية؟

قد يبدو الحل بسيطاً.

رفع سن التقاعد.

تقليص بعض الامتيازات.

إعادة هيكلة أنظمة الرعاية الاجتماعية.

لكن السياسة لا تُدار بالمنطق الاقتصادي وحده.

ففي معظم الدول الأوروبية يمثل كبار السن واحدة من أكبر الكتل الانتخابية وأكثرها مشاركة في الانتخابات.

وأي حكومة تقدم إصلاحات تمس معاشاتهم أو امتيازاتهم الاجتماعية تدرك أنها قد تدفع ثمناً سياسياً باهظاً.

ولهذا فضلت حكومات كثيرة، عبر سنوات طويلة، إجراء تعديلات تدريجية، وتأجيل الإصلاحات الكبرى بدلاً من خوض مواجهة مباشرة مع الناخبين.

ومع مرور الوقت، أصبحت المشكلة أكبر وأكثر تعقيداً.

المهاجر… المتهم الأسهل

في مثل هذه الظروف، يصبح الغضب الشعبي بحاجة إلى عنوان واضح.

ارتفاع أسعار السكن.

الضغط على المستشفيات.

ازدحام المدارس.

ارتفاع تكاليف المعيشة.

كلها مشكلات حقيقية يشعر بها المواطن الأوروبي في حياته اليومية.

لكن تفسيرها يحتاج إلى نقاش طويل حول السياسات الاقتصادية، والتخطيط العمراني، والضرائب، والديموغرافيا، وسوق العمل.

أما تحميل المهاجر المسؤولية، فهو تفسير أبسط بكثير.

يمكن اختصار أزمة معقدة في صورة لاجئ، أو شعار انتخابي، أو خطاب يتحدث عن “استعادة السيطرة”.

وهنا وجد اليمين الشعبوي فرصته.

فقدّم رواية سهلة الفهم، تقوم على أن الهجرة هي السبب الرئيسي لمعظم الأزمات، وأن الحد منها سيعيد الأمور إلى سابق عهدها.

ومع مرور الوقت، بدأت بعض الأحزاب التقليدية تتبنى أجزاءً من هذا الخطاب، ليس بالضرورة لأنها تؤمن به بالكامل، بل لأنها لم تعد قادرة على تجاهل تأثيره في صناديق الاقتراع.

لكن الاقتصاد يقول شيئاً مختلفاً

المفارقة أن أوروبا تحتاج اليوم إلى مزيد من العمال.

ففي قطاعات مثل الرعاية الصحية، والبناء، والنقل، والزراعة، والصناعة، والتكنولوجيا، تعاني كثير من الدول الأوروبية نقصاً واضحاً في الأيدي العاملة.

ولهذا تعمل الحكومات نفسها على استقطاب العمالة الماهرة من خارج الاتحاد الأوروبي، وتطوير برامج الهجرة الاقتصادية لسد هذا النقص.

وهنا يظهر التناقض.

اقتصادياً، تحتاج أوروبا إلى المهاجرين.

وسياسياً، يتحول المهاجر إلى أحد أكثر الملفات إثارة للجدل.

هل المهاجرون أبرياء تماماً؟

الإجابة الموضوعية هي: لا.

فالهجرة، خصوصاً عندما تكون كبيرة وسريعة، تفرض تحديات حقيقية على الإسكان والتعليم والخدمات العامة، وقد تؤدي إلى صعوبات في الاندماج إذا لم تُدار بسياسات فعالة.

لكن في المقابل، فإن اختزال جميع أزمات أوروبا في الهجرة لا يصمد أمام الوقائع.

فأزمة الإسكان بدأت في كثير من الدول قبل موجات اللجوء، وترتبط أيضاً بنقص البناء، وارتفاع أسعار الأراضي، والمضاربات العقارية.

وأزمة التقاعد تعود أساساً إلى الشيخوخة السكانية وانخفاض معدلات الإنجاب.

أما الضغط على المستشفيات، فيرتبط بزيادة أعداد كبار السن، وبنقص الكوادر الطبية، وهو ما دفع دولاً أوروبية عديدة إلى استقدام أطباء وممرضين من خارج القارة.

بمعنى آخر، الهجرة جزء من المشهد، لكنها ليست المشهد كله.

لماذا ينجح خطاب اليمين؟

لأن الأزمات المعقدة تحتاج إلى تفسيرات معقدة.

أما السياسة، خصوصاً في زمن وسائل التواصل الاجتماعي، فتفضل الرسائل البسيطة.

من الأسهل أن تقول للناخب إن سبب الأزمة هو “الآخر”، بدلاً من شرح التحولات الديموغرافية، وإصلاح أنظمة التقاعد، وأزمات سوق الإسكان، والتغيرات الاقتصادية العالمية.

ولهذا ينجح الخطاب الشعبوي في الوصول بسرعة إلى الجمهور.

ليس لأنه يقدم دائماً الحلول الصحيحة، بل لأنه يقدم رواية سهلة الفهم.

ما الذي ينتظر أوروبا؟

صعود اليمين في أوروبا ليس مجرد قصة عن الهجرة، بل هو انعكاس لتحولات ديموغرافية واقتصادية وسياسية تراكمت على مدى عقود.

فانخفاض معدلات الإنجاب، وشيخوخة السكان، وتأخر إصلاح أنظمة التقاعد والرعاية الاجتماعية، كلها عوامل سبقت موجات اللجوء الحديثة بسنوات طويلة. ومع ذلك، أصبح المهاجر في كثير من الأحيان الوجه الأسهل لتحميله مسؤولية أزمات أكثر تعقيداً.

ولا يعني ذلك أن الهجرة تخلو من التحديات أو أنها تمثل حلاً سحرياً، لكنها ليست أيضاً التفسير الوحيد لكل ما تواجهه أوروبا اليوم. فإدارة الهجرة تتطلب سياسات متوازنة تضمن أمن المجتمعات، وتحافظ في الوقت نفسه على احتياجات الاقتصاد وسوق العمل.

وتقف أوروبا اليوم أمام مفارقة يصعب تجاهلها؛ فهي بحاجة إلى مزيد من العمال للحفاظ على قدرتها الإنتاجية واستدامة أنظمة الرفاه، لكنها في الوقت نفسه تشهد تصاعداً في الخطابات السياسية التي تجعل من الهجرة محوراً رئيسياً للصراع الانتخابي.

ويبقى السؤال الأهم: هل ستتمكن الحكومات الأوروبية من مواجهة جذور الأزمة وإجراء الإصلاحات التي تأجلت لعقود، أم سيظل الجدل يدور حول الهجرة وحدها، بينما تستمر التحديات الديموغرافية والاقتصادية في فرض نفسها عاماً بعد عام؟

قد تختلف الحكومات، وتتغير نتائج الانتخابات، وتتبدل موازين القوى بين اليمين واليسار، لكن الحقيقة التي يصعب تجاهلها هي أن مستقبل أوروبا لن تحدده الشعارات الانتخابية وحدها، بل قدرتها على التوفيق بين ضرورات الاقتصاد، ومتطلبات دولة الرفاه، وإدارة الهجرة بسياسات واقعية بعيدة عن المبالغات والخوف.

كاتب

Exit mobile version