
الصحفي خالد فيصل الطويل
في خريف عام 2012، وفي ذروة الفوضى والانقسام الأخلاقي والسياسي الذي شهده مجتمعنا، كتب شاب سوري لم يتجاوز حينها العشرين من عمره، منشوراً انفعالياً على منصة (فيسبوك) . منشور محشو بالشتائم والأيديولوجيا العمياء، وربما بتأييد فكرة مرعبة لم يكن يدرك أبعادها.
اليوم، بعد مرور أربعة عشر عاماً، يعيش هذا الشاب في هولندا، كبر، وتغيّرت خلايا دماغه، وتغير وعيه بالكامل، وأصبح أباً ومواطناً صالحاً يخدم مجتمعه المحيط.
لكن قبل أسبوع، وخلال تقدمه لوظيفة حساسة أو ترشحه لموقع مجتمعي، قام أحدهم بنبش “أرشيفه الرقمي”، واستخراج ذلك المنشور ليرميه في وجهه.
فجأة، تبخرت أربعة عشر عاماً من النضج والتصحيح، وتجمدت حياة الرجل عند لحظة طيش رقمية أُطلقت في زمن غابر.
هذه ليست قصة خيالية، بل هي واقع يومي يطرح علينا السؤال الأكثر إلحاحاً في القرن الحادي والعشرين: هل فقد البشر حقهم الإنساني في الخطأ والتوبة لمجرد أن الخوارزميات لا تنسى؟
من (طبيعة النسيان) إلى (لعنة التخليد):
تاريخياً، بُنيت النفس البشرية على ميزة (النسيان). النسيان ليس عيباً في الدماغ، بل هو آلية دفاعية بيولوجية تتيح للمجتمعات والأفراد أن يتجاوزوا صدماتهم وأخطاءهم ليعيدوا بناء أنفسهم.
كان الخطأ قديماً يموت بموت الشاهد عليه، أو يذوي مع مرور السنين ليتحول إلى (حكمة).
أما اليوم، فنحن نعيش في ظل ديكتاتورية الخادم (Server)؛ وحوش السيليكون التي تخزن كل نقرة، وكل زلة لسان، وكل موقف انفعالي في قواعد بيانات لا تشيب ولا تغفر. تحول الإنترنت من أداة لمساعدتنا على تذكر التاريخ، إلى قيد يمنعنا من الهروب من ماضينا.
كمتخصص في هذا المجال، أدرك جيداً كيف تعمل هذه الآلة. غول الـ (Data Mining) أو تنقيب البيانات، لا يعرف السياق. هو لا يفهم أنك كتبت هذا الرأي وأنت تحت تأثير الخوف، أو الجهل، أو البروباغندا. بالنسبة للخوارزمية، منشورك عام 2012 وموقفك اليوم في 2026 هما بيانات متساوية القيمة والزمن، تُعرض جنباً إلى جنب في محركات البحث.
(حق النسيان) : ترفٌ أوروبي أم ضرورة مجتمعية؟
في الاتحاد الأوروبي، وتحديداً بعد إقرار اللائحة العامة لحماية البيانات (GDPR)، انتزع القانون ما يُعرف بالحق في النسيان الرقمي (Right to be Forgotten)، والذي يتيح للأفراد الطلب من محركات البحث إزالة الروابط التي تحتوي على معلومات قديمة أو لم تعد ذات صلة بحياتهم الحالية.
لكن المفارقة تكمن في مجتمعاتنا نحن؛ المجتمعات التي مرت باهتزازات سياسية واجتماعية عنيفة كالمجتمع السوري.
نحن أحوج الشعوب إلى هذا الحق، لكننا أبعدهم عنه. لقد تحول الفضاء الرقمي السوري إلى ساحة تصفية حسابات ممتدة، حيث يُستخدم الماضي الرقمي كمشنقة جاهزة تُرفع في وجه أي شخص يحاول التطور، أو تغيير رأيه، أو قيادة مبادرة مجتمعية.
حين نربط إنسانًا بأخطائه الرقمية السابقة للأبد، فإننا نرتكب جريمتين:
1. نغلق باب المراجعة والتصحيح:إذا علم الشخص أن المجتمع لن يغفر له خطأه القديم الموثق برابط، فلن يجد دافعاً للتحول نحو النضج والاعتدال، وسينكفئ في خندقه القديم.
2. نصنع مجتمعاً منافقاً: مجتمعاً يخشى فيه الشباب كتابة أي رأي أو تجربة فكرية خوفاً من (المستقبل الرقمي)، مما ينتج جيلاً باهتاً بلا ملامح يتقن الصمت والمواربة.
نحو (عقد أخلاقي)رقمي:
إن مواجهة هذه اللعنة التكنولوجية لا تتم بالوسائل التقنية فقط (فحذف البيانات من الإنترنت يشبه محاولة جمع الماء بسلة)، بل تتم بترميم وعينا المجتمعي.
نحتاج إلى الانتقال من ثقافة (الترصد والنبش) إلى ثقافة (المحاسبة السياقية). يجب أن نسأل الشخص: من أنت اليوم؟ وماذا تقدم الآن؟ بدلاً من أن نسأله: ماذا كتبت في لحظة جنون جماعي قبل عقد من الزمن؟.
العمل العام، وبناء المؤسسات، وتماسك الجاليات في المغترب، كلها ملفات تحتاج إلى (كفاءات)، والكفاءة تُصقل بالتجارب والأخطاء.
إذا استمررنا في إقصاء كل من يملك (ندبة رقمية) في ماضيه، فلن نجد أحداً يملأ مقاعد الخدمة العامة سوى الملائكة… والملائكة لا يعيشون على الإنترنت.
الإنترنت لا ينسى، هذه حقيقة تقنية مقبولة… ولكن، إذا كانت الآلة تفتقر إلى النبل والغفران لأنها مصنوعة من رمل وأسلاك، فما هي حجتنا نحن السوريين، ونحن المصنوعون من لحم، ودم، ووجع، وأمل؟





