الصحفي محمد رائد كعكة
لم تكن حلب يومًا مدينة عابرة في التاريخ السوري. كانت دائمًا مركزًا للثقل الثقافي والديني والاقتصادي، وواحدة من أكثر المدن العربية قدرة على إنتاج التوازن في لحظات الفوضى. ولهذا ربما كان نصيبها مضاعفًا من الاستهداف، ليس فقط من النظام السوري، بل أيضًا من كل القوى التي أرادت تحويل سوريا إلى ساحة للتطرف والكراهية.
حين بدأت الثورة السورية، دخلت حلب المشهد بطريقتها الخاصة. لم تكن مدينة صاخبة بالشعارات، لكنها لم تكن غائبة عن الحلم بالتغيير. خرج أبناؤها مطالبين بالكرامة والحرية، ودفعت المدينة أثمانًا باهظة من دماء شبابها ودمار أحيائها. لكن خصوصية حلب أنها حاولت الحفاظ على روحها المدنية والدينية المعتدلة وسط بحر من التحولات العنيفة.
ومع عسكرة الثورة، بدأت التنظيمات المتشددة بالتغلغل داخل المشهد السوري، مستفيدة من الفوضى والدعم الخارجي والانهيار العام. تحولت القضية تدريجيًا من ثورة شعبية إلى صراع تتداخل فيه المشاريع الإقليمية والعقائدية. وفي تلك اللحظة تحديدًا، أصبحت حلب هدفًا مضاعفًا، لأنها لم تنسجم بالكامل مع خطاب التطرف، ولم تسمح بسهولة بابتلاع هويتها التاريخية.
المدينة التي عُرفت بتدينها المعتدل، وبتراثها الصوفي والأشعري، وجدت نفسها متهمة بالخيانة فقط لأنها رفضت الانجرار وراء الفكر الإقصائي. فجأة تحولت في بعض الخطابات إلى مدينة “مترددة” أو “برجوازية”، رغم أن أبناءها كانوا في السجون وتحت الأنقاض وعلى جبهات القتال منذ الأيام الأولى.
المؤلم أن كثيرًا من الشخصيات الحلبية التي لعبت أدوارًا وطنية حقيقية جرى تهميشها أو تغييبها من الذاكرة العامة، بينما أُعيدت كتابة الرواية السورية بطريقة تخدم المنتصر إعلاميًا لا الأكثر تضحية. وكأن المطلوب من حلب أن تعتذر لأنها لم تكن مدينة متطرفة، أو لأنها حاولت التمسك بصورة سوريا التي تعرفها.
ولم يتوقف الأمر عند السياسة أو الحرب، بل امتد إلى الهوية نفسها. بدا وكأن هناك محاولة مستمرة لتجريد المدينة من رموزها الثقافية وتراثها وحتى صورتها الاجتماعية. فحين تُشوَّه مدينة بحجم حلب، لا يكون الهدف مجرد الإساءة إليها، بل كسر النموذج الذي تمثله: نموذج الاعتدال والتنوع والعمق الحضاري.
بعد سقوط النظام، كان كثيرون يظنون أن حلب ستستعيد مكانتها الطبيعية، وأن سنوات الألم ستنتهي أخيرًا. لكن ما حدث بالنسبة لكثير من الحلبيين كان استمرارًا لشعور الإقصاء بطريقة مختلفة. إذ شعر أبناء المدينة أن دورهم يتراجع في إدارة مدينتهم، وأن هويتهم الدينية والاجتماعية تتعرض لمحاولة إعادة تشكيل قسرية لا تشبه تاريخ حلب ولا ناسها.
إن مأساة حلب لا تختصرها الحرب وحدها. المأساة الحقيقية أن مدينة قاومت الاستبداد والتطرف معًا، دفعت ثمن موقفها من الطرفين. عوقبت لأنها لم تذعن للنظام، ثم عوقبت مرة أخرى لأنها لم تستسلم بالكامل للغلو.
وربما سيأتي يوم يعيد فيه التاريخ قراءة ما جرى بعيدًا عن ضجيج الشعارات والانتصارات المؤقتة. يوم تُفهم فيه حلب كما هي فعلًا: مدينة حاولت النجاة بعقلها في زمن الجنون، فوجدت نفسها وحيدة في مواجهة الجميع.
