حاملة الطائرات بين الردع الحقيقي وابتزاز المغامرة الإيرانية

الصحفي محمد رائد كعكة

لم تعد حاملة الطائرات الأمريكية اليوم مجرد أداة ردع تقليدية، بل تحوّلت إلى مركز اختبار مفتوح لميزان القوى في الشرق الأوسط. والسؤال لم يعد ما إذا كانت واشنطن قادرة على توجيه ضربة، بل ما إذا كان خصومها، وفي مقدمتهم إيران، قد نجحوا في تحويل هذه الأداة إلى ورقة ضغط معاكسة، قائمة على التهديد لا على القدرة الفعلية.

إيران، بخلاف الصورة التي تحاول تسويقها، لا تمارس ردعًا دفاعيًا بقدر ما تنتهج سياسة حافة الهاوية. فهي لا تسعى إلى مواجهة مباشرة تدرك كلفتها جيدًا، لكنها تستثمر بشكل ممنهج في استراتيجيات الإرباك، عبر الصواريخ، والمسيّرات، والوكلاء، بهدف رفع كلفة أي تحرك أمريكي دون تحمّل مسؤولية حرب شاملة. هذا السلوك لا يعكس قوة واثقة، بل نظامًا يعرف حدود قدرته، ويعتمد على اللعب على أعصاب الخصم بدل مواجهته.

المشكلة أن واشنطن، في المقابل، تبدو عالقة في معادلة قديمة. فهي ما زالت تتعامل مع حاملة الطائرات باعتبارها رمز الهيمنة القصوى، بينما تغيّرت طبيعة الصراع. إيران لا تحتاج إلى تدمير الحاملة، ولا حتى إصابتها إصابة مباشرة. كل ما تريده هو تثبيت فكرة أن الاقتراب منها محفوف بالمخاطر، وأن أي ضربة لن تمر دون ثمن سياسي ونفسي باهظ. وهذا بحد ذاته نجاح إيراني في نقل الصراع من ميدان القوة الصلبة إلى ميدان الاستنزاف الرمزي.

سياسيًا، تحاول طهران الظهور بمظهر الطرف الصلب الذي يتحدى الولايات المتحدة، لكنها في الواقع تستثمر في سياسة المناطق الرمادية. فبينما تهدد بإغلاق مضيق هرمز، وتلوّح بأسلحة متطورة، تتجنّب بعناية أي خطوة قد تستدعي ردًا أمريكيًا ساحقًا. هذا التناقض يكشف أن الخطاب الإيراني أعلى بكثير من الاستعداد الفعلي لدفع ثمن المواجهة.

في هذا السياق، تصبح حاملة الطائرات أداة اختبار مزدوجة. فهي من جهة تكشف مدى استعداد واشنطن للمخاطرة بسمعتها وقوتها، ومن جهة أخرى تفضح استراتيجية إيران القائمة على التضخيم الإعلامي والضغط غير المباشر. فالنظام الإيراني يدرك أن صور الدمار لا تخدمه، لكنه يعرف أيضًا أن مجرد اقتراب الحاملة يكفي لإشعال خطاب تعبوي داخلي، وتصدير أزمة خارجية تُستخدم لتبرير الفشل الاقتصادي والسياسي في الداخل.

الخطير في السلوك الإيراني ليس قوته العسكرية بحد ذاتها، بل استعداده الدائم لجرّ الإقليم إلى حافة الانفجار دون تحمّل تبعاته. فسياسة الوكلاء، من البحر الأحمر إلى الخليج، ليست تعبيرًا عن نفوذ مستقر، بل عن مشروع توسعي هشّ يعتمد على الفوضى أكثر مما يعتمد على السيطرة. وكلما زادت الضغوط الداخلية على النظام الإيراني، ارتفعت حاجته إلى تصعيد خارجي محسوب.

من هنا، فإن أي تردد أمريكي في استخدام القوة لا يُقرأ في طهران كحكمة استراتيجية، بل كفرصة. فإيران لا تفهم لغة الإشارات الناعمة، بل تبني حساباتها على اختبار الخطوط الحمراء مرارًا. وحين لا يأتي الرد، يتحول الاستفزاز إلى سياسة دائمة.

ومع ذلك، فإن اللجوء إلى ضربة محدودة من حاملة طائرات، دون استراتيجية سياسية واضحة لما بعدها، قد يخدم إيران أكثر مما يضرها. ضربة لا تُسقط النظام، ولا تُفكك بنيته العسكرية، ستُقدَّم داخليًا في طهران كنصر صمود، وتُستخدم لتغذية خطاب “المواجهة مع الاستكبار”، بينما تستمر السياسات نفسها بأدوات أكثر حذرًا.

الخلاصة أن حاملة الطائرات لم تفقد قيمتها العسكرية، لكنها فقدت قدرتها على فرض الحسم وحدها. أما إيران، فهي ليست قوة لا تُردع كما تحاول الظهور، لكنها بارعة في استغلال التردد، وتحويل كل خطوة غير محسوبة إلى مكسب سياسي. المعركة الحقيقية ليست في البحر، بل في القرار: إما ردع واضح وحاسم يُنهي سياسة اللعب على الحواف، أو استمرار في إدارة أزمة تمنح طهران وقتًا ومساحة لمواصلة الابتزاز الإقليمي.

في النهاية، الحاملة إما أن تكون أداة لفرض قواعد جديدة، أو تتحول إلى شاهد على نظام دولي يتآكل فيه الردع التقليدي أمام أنظمة تجيد استخدام الفوضى كسلاح. وإيران، في الحالتين، ستبقى تختبر حدود الآخرين ما لم تُرسم لها حدود واضحة لا تحتمل التأويل.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى