NL NEWS Agency

تسعير القمح… حين تُترك الأرض بلا حماية

الكاتب: محمد عيد

مرة أخرى يعود ملف القمح إلى الواجهة بقرار تسعير من وزارة الاقتصاد حُدد فيه سعر شراء الطن بـ 46,000 ليرة جديدة، في وقت تتصاعد فيه أصوات الفلاحين باعتبار أن القرار لا يعكس لا الواقع ولا الكلفة ولا حتى الحد الأدنى من العدالة الإنتاجية.

الفلاح اليوم لا يواجه “سعراً” فقط، بل يواجه منظومة كلفة خانقة:

سعر طن القمح الذي وضعته وزارة الاقتصاد   يقارب 335 دولاراً، بينما قفزت كلفة السماد على الفلاح  بحدود ثمانمئة     دولار للطن، دون احتساب الوقود، النقل، الري، وتذبذب أسعار مستلزمات الإنتاج.

ببساطة: كيف يُطلب من الفلاح أن يربح وهو يبدأ الموسم بخسارة مؤكدة؟

المفارقة الدولية: ليس السعر هو المشكلة… بل الدعم

في دول كثيرة، لا يُقاس الموضوع بسعر شراء القمح فقط، بل بمنظومة كاملة تحمي المنتج:

في تركيا، رغم أنها ليست دولة غنية نفطياً، يتم دعم الفلاح عبر تسعير مدعوم للقمح إضافة إلى دعم مباشر للأسمدة والوقود الزراعي.

في مصر، تشتري الدولة القمح المحلي بسعر أعلى من السوق أحياناً لضمان الاستلام وتحفيز الزراعة.

في الاتحاد الأوروبي، الدعم الزراعي قد يصل إلى مليارات اليوروهات سنوياً، يشمل الأرض والإنتاج والتأمين ضد الجفاف والآفات.

هناك الفلاح لا يُترك وحده، بل يُعامل كـ أداة أمن قومي غذائي، لا كمجرد “منتج يجب خفض سعره”.

أما عندنا، فالصورة مختلفة:

رفع دعم تدريجي + كلفة إنتاج مرتفعة + تسعير ضاغط = فلاح يُدفع خارج الحقل بهدوء.

أزمة أعمق من رقم

الاعتراضات في المحافظات الشرقية، وتحوّل القرار إلى جدل واسع على وسائل التواصل، ليست انفعالاً عابراً، بل مؤشر على أزمة بنيوية:

قرارات تُبنى أحياناً على حسابات مالية مجردة، دون إدراك أن الزراعة ليست قطاعاً حسابياً فقط، بل قطاع بقاء.

حين يُترك الفلاح دون حماية، فالنتيجة لا تكون غضباً فقط، بل تراجع إنتاج، وهجرة زراعية، واعتماد أكبر على الاستيراد.

المعادلة المفقودة

لا يمكن طلب أمن غذائي من فلاح غير محمي.

ولا يمكن بناء اكتفاء ذاتي بسعر لا يغطي حتى الكلفة.

وكما يقول المثل:

“من يزرع بلا حماية… يحصد الندم قبل الحصاد.”

أو كما تُلخّصها الحكمة الاقتصادية ببساطة:

لا تطلب من الأرض أن تُنبت ذهباً… وأنت لا تسقيها إلا بالتقشف

الأمن الغذائي لا يُعلن بالقرارات، بل يُبنى بالسياسات.

وإذا كان الفلاح السوري هو آخر خط دفاع إنتاجي حقيقي، فإن تركه في مواجهة السوق وحده ليس سياسة اقتصادية… بل مخاطرة طويلة المدى ستظهر آثارها على الجميع، عاجلاً أو آجلاً.

كاتب

Exit mobile version