
الصحفي : محمد رائد كعكة
شهدت الأيام الماضية تصاعدًا ملحوظًا في المؤشرات السياسية والعسكرية التي أوحت بقرب تنفيذ ضربة أمريكية واسعة ضد إيران. ولم يكن هذا التصعيد مقتصرًا على الخطاب الإعلامي أو التهديدات السياسية، بل رافقته تحركات عسكرية فعلية شملت نقل قاذفات وطائرات حربية إلى الشرق الأوسط، وتحريك حاملات طائرات، ونشر طائرات للتزوّد بالوقود جوًا، إضافة إلى إخلاء عدد من السفارات والرعايا، وتقليص الوجود في بعض القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة. وفي المقابل، أغلقت إيران مجالها الجوي واستعدّت لاحتمال مواجهة شاملة قد تمتد آثارها إلى كامل الإقليم.
إلا أن هذا المسار توقّف بشكل مفاجئ، إذ جرى إلغاء قرار الضربة في اللحظات الأخيرة، وعادت الطائرات الأمريكية إلى قواعدها، وأُعيد فتح المجال الجوي الإيراني، وتراجع مستوى التصعيد العسكري والإعلامي نسبيًا. هذا التحوّل السريع أثار تساؤلات واسعة حول أسبابه الحقيقية، خاصة في ظل الاكتفاء بتبريرات علنية لم تعكس حجم التعقيد الذي رافق القرار.
تشير المعطيات إلى أن التراجع لم يكن ناتجًا عن سبب واحد، بل عن مجموعة من العوامل الاستراتيجية المتداخلة، أبرزها إعادة تقييم كلفة المواجهة العسكرية واحتمالاتها، في ظل تراجع القدرة الأمريكية على فرض إرادتها عسكريًا دون تبعات جسيمة.
فبحسب تقارير استخباراتية نشرتها وسائل إعلام غربية وإسرائيلية، لم تكن الخطة الأمريكية تقتصر على توجيه ضربة عسكرية مباشرة، بل كانت جزءًا من سيناريو أوسع يهدف إلى زعزعة الاستقرار الداخلي في إيران، من خلال تحريك اضطرابات منظمة، وربما الدفع نحو انقلاب سياسي من الداخل، اعتمادًا على شبكات تجسّس وعناصر موالية. وكان الهدف من ذلك شلّ مؤسسات الدولة وإحداث انهيار اقتصادي وخدمي يمهّد لإسقاط النظام القائم.
وفي هذا السياق، طُرح اسم نجل شاه إيران السابق كبديل محتمل للحكم، بدعم أمريكي وإسرائيلي، مع تعهدات بتفكيك البرنامج النووي الإيراني، والاعتراف بإسرائيل، وتحويل إيران إلى حليف استراتيجي للغرب في المنطقة.
غير أن التطورات الميدانية لم تسر وفق هذا المخطط. فقد شهدت المرحلة ذاتها تدخلًا صينيًا غير مباشر، تمثّل في دعم تقني متقدم في مجالات الحرب الإلكترونية، وبالتنسيق مع روسيا، ما أسهم في تعطيل قدرات الرصد والاتصال داخل إيران. وأدّى ذلك إلى إرباك شبكات الاتصال البديلة التي فُعّلت بعد قطع الإنترنت، وأسفر عن حالة من العمى الاستخباراتي، سمحت للسلطات الإيرانية بكشف عدد من الشبكات المتعاونة مع الخارج واعتقال عناصرها.
في الوقت نفسه، أظهرت قطاعات واسعة من المجتمع الإيراني موقفًا مغايرًا لما كان متوقّعًا. فعلى الرغم من الغضب الشعبي المرتبط بالأوضاع الاقتصادية والمعيشية، تبيّن لكثيرين أن ما يجري تجاوز المطالب الإصلاحية، واتجه نحو محاولة تفكيك الدولة وإعادة إنتاج نظام الشاه بصيغة جديدة. هذا الإدراك دفع أعدادًا كبيرة إلى الاصطفاف مع الدولة، ليس دفاعًا عن النظام السياسي بحد ذاته، بل رفضًا لانهيار البلاد أو تقسيمها.
أمام هذه المستجدات، تغيّرت التقديرات الأمريكية بصورة جوهرية. فالضربة التي كان يُفترض أن تكون محدودة وسريعة، باتت تنذر بحرب مفتوحة قد تتجاوز في كلفتها وتعقيدها تجارب سابقة كالعراق وأفغانستان. كما ارتفعت احتمالات ردّ إيراني واسع النطاق قد يستهدف القواعد الأمريكية في الخليج، ويؤدي إلى إغلاق مضيق هرمز، وارتفاع حاد في أسعار النفط، ودخول الاقتصاد العالمي في حالة اضطراب شديدة.
وزاد من تعقيد المشهد غياب الغطاء الإقليمي، إذ رفضت عدة دول في المنطقة فتح أجوائها أو أراضيها لأي عمليات عسكرية ضد إيران. كما نقلت دول إقليمية رسائل واضحة للإدارة الأمريكية تحذّر من أن أي ضربة ستضرّ بالمصالح الأمريكية ومصالح المنطقة على حد سواء.
إلى جانب ذلك، برز الدعم الروسي والصيني لإيران في الخلفية، سواء على المستوى السياسي أو التقني والعسكري، مع تداول تقارير غير مؤكّدة حول تزويد طهران بأنظمة دفاع جوي متقدمة، ودعم في مجالات الحرب الإلكترونية، إضافة إلى امتلاكها قدرات صاروخية متطورة قادرة على إلحاق أضرار كبيرة بالقواعد والأساطيل الأمريكية في المنطقة.
في ضوء هذه المعطيات، باتت كلفة الضربة المحتملة أعلى بكثير من المكاسب المتوقعة، وهو ما دفع الإدارة الأمريكية إلى إعادة النظر في القرار، رغم الضغوط الإسرائيلية الداعية إلى تصعيد شامل، انطلاقًا من قناعة بأن الحرب الإقليمية تخدم مصالحها الاستراتيجية.
وعليه، جاء قرار تأجيل الضربة بوصفه خطوة تكتيكية، لا تعبيرًا عن تخلٍّ نهائي عن الخيار العسكري، بل نتيجة قراءة واقعية لموازين القوى والمخاطر المحتملة. فالمواجهة مع إيران لم تعد مواجهة منفردة، بل باتت مرتبطة بتوازنات دولية أوسع، تجعل أي تحرك عسكري مباشر محفوفًا بتداعيات قد تمسّ الوجود الأمريكي الاستراتيجي في المنطقة.
في الخلاصة، لم يُلغَ خيار الضربة بشكل نهائي، بل جرى تأجيله في إطار إعادة تموضع ودراسة أعمق للمشهد الإقليمي والدولي. وفي الوقت الراهن، يبدو أن أدوات الضغط السياسي والاقتصادي والدبلوماسي تحلّ محل المواجهة العسكرية المباشرة، بانتظار تغيّر الظروف أو تبلور معادلات جديدة قد تعيد فتح باب التصعيد في مرحلة لاحقة.




