الصحفي – محمد رائد كعكة
في اللحظات المفصلية من تاريخ الدول، يصبح الخلط بين الدولة والسلطة أحد أخطر الأخطاء السياسية. فالدولة تبقى، أما الحكومات والرؤساء فهم مراحل في تاريخها، يتغيرون ويبقى الوطن. ومن هنا، فإن موقفنا اليوم لا ينطلق من الدفاع عن الرئيس السوري أحمد الشرع، ولا من الخصومة معه، وإنما من الدفاع عن سوريا باعتبارها دولةً وهويةً وتاريخًا وجغرافيا.
تشهد الساحة السورية في الآونة الأخيرة موجة واسعة من التحريض والاستقطاب عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تتداخل فيها الدعوات إلى الانتقام والثأر مع خطاب الكراهية والانقسام. وتذهب بعض التحليلات إلى أن هذه الحملات ليست عفوية، بل تستفيد منها أطراف خارجية تسعى إلى إغراق سوريا مجددًا في الفوضى واستنزاف مجتمعها. وسواء صحت هذه الفرضيات بالكامل أو جزئيًا، فإن النتيجة واحدة: كل دعوة إلى العنف خارج إطار القانون لا تخدم إلا أعداء استقرار سوريا.
لقد دفعت سوريا أثمانًا باهظة خلال سنوات الحرب. مدن دمرت، وملايين شردوا، ونسيج اجتماعي تعرض لاختبارات قاسية. فهل يعقل، بعد كل هذا الألم، أن يكون الحل هو فتح أبواب الثأر على مصراعيها؟ إن العدالة ليست انتقامًا، وبناء الدولة لا يقوم على تصفية الحسابات، بل على مؤسسات قوية وقضاء مستقل يطبق القانون على الجميع دون استثناء.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث اليوم هو جر السوريين إلى معركة داخلية جديدة، عنوانها الانتقام، بينما يكون المستفيد الحقيقي هو كل من لا يريد لسوريا أن تستعيد عافيتها. فالفوضى لا تنتج دولة، والكراهية لا تصنع مستقبلًا، والتحريض الطائفي لا يبني وطنًا يتسع لجميع أبنائه.
إن الانحياز إلى سوريا يعني الانحياز إلى سيادة القانون، وإلى وحدة الأرض، وإلى أمن المجتمع، وإلى حق كل مواطن في العدالة دون ظلم أو انتقام. ويعني أيضًا رفض تحويل الخلافات السياسية إلى صراعات أهلية يستحيل الخروج منها بسهولة.
لسنا مطالبين بالدفاع عن أي مسؤول أو حكومة إذا أخطأت، فالمساءلة حق مشروع، والنقد ضرورة سياسية. لكننا أيضًا لسنا مع هدم الدولة بحجة معارضة السلطة، ولا مع تحويل الغضب الشعبي إلى وقود لصراعات لا يعرف أحد أين تنتهي.
اليوم، أكثر من أي وقت مضى، تحتاج سوريا إلى عقل بارد لا إلى عاطفة ملتهبة، وإلى مشروع دولة لا إلى مشاريع ثأر، وإلى خطاب يوحد السوريين بدل أن يفرقهم. فالأوطان لا يحميها الأشخاص، بل تحميها المؤسسات، ولا يصنع مستقبلها المنتصرون في معارك التواصل الاجتماعي، بل المواطنون الذين يدركون أن سوريا أكبر من الجميع، وأبقى من كل الحكومات، وأن الدفاع الحقيقي عنها يبدأ بالحفاظ على وحدتها واستقرارها وسيادة قانونها.
