Site icon NL NEWS Agency

بعد حكم الإعدام ، تسليم الأسد مقابل إسقاط ديون موسكو: هل هي صفقة واردة، وكيف يتعامل القانون الدولي مع الإرث المالي للأنظمة الساقطة؟

خالد فيصل الطويل

مقدمة تفرض نفسها:

خلف المشهد السياسي المعقد لسقوط نظام بشار الأسد، يبرز سؤال مالي ثقيل:

ماذا عن مليارات الدولارات من الديون المتراكمة لصالح قوى دولية – على رأسها روسيا وإيران – مولت جزءًا كبيرًا من سنوات الحرب؟

ومع تداول الأحاديث في الكواليس الدبلوماسية عن صفقات تسليم المطلوبين ومستقبل العلاقات، يطرح الشارع والخبراء تساؤلاً محورياً: هل يكون ثمن تسليم رأس النظام السابق ومن معه من كبار المجرمين الفارين هو إسقاط تلك الديون الكارثية عن كاهل سوريا الجديدة؟

الإجابة عن هذا التساؤل تتجاوز الأروقة السياسية الضيقة، لتدخل في معترك القانون الدولي، والسوابق التاريخية، وحسابات المصالح البحتة.

أولاً: القاعدة القانونية الصلبة وسقوط الوهم

من منظور القانون الدولي، هناك فاصل دقيق ومهم بين «تغيير الحكومة» و«تغيير الدولة».

سوريا بقيت كمركز قانوني دولي قائم بذاته رغم انهيار منظومة الحكم السابقة، مما يعني أن مجرد تولي سلطة جديدة لا يلغي تلقائياً الالتزامات المالية الدولية للدولة السورية.

وحتى هذه اللحظة، لا توجد قاعدة تعاقدية عامة أو اتفاقية دولية نافذة (مثل اتفاقية فيينا لعام 1983 التي لم تدخل حيز النفاذ) تحسم مسألة زوال الديون بمجرد تغير الأنظمة.

لذلك، فإن مقولة «سقط النظام فسقطت ديونه» هي أمنية سياسية وليست حقيقة قانونية منجزة.

ثانياً: معضلة «الدين الكريه» (Odious Debt)

في قلب النقاشات الاقتصادية والقانونية، يبرز دائماً مفهوم «الدين الكريه»؛ وهو المصطلح الذي يُقصد به القروض التي تبرمها سلطة مستبدة ضد مصالح شعبها، ويكون المقرض على علم بذلك.

* الموقف الدولي: على الرغم من إثارة هذا المفهوم مراراً في أدبيات لجنة القانون الدولي التابعة للأمم المتحدة، ورغم تأكيد البنك الدولي أن القواعد المنظمة له غير مطورة بما يكفي، إلا أنه لا يوجد نظام قانوني دولي ملزم يمنح الدول تلقائياً الحق في شطب ديونها بناءً على هذا الوصف منفردًا.

* الأثر العملي: لا يكفي أن تقول الحكومة الجديدة إن النظام السابق كان استبدادياً لكي تسقط القروض، بل يجب إثبات أن القرض نفسه وُجه حصرياً لتمويل آلة القمع والحرب ضد المدنيين، وأن الدائن تورط عن علم في هذا التمويل.

ثالثاً: السوابق التاريخية.. بين العراق وكوبا وليبيا.

هناك محطات كبرى تقدم دروساً عملية لسوريا:

1. العراق (النموذج الأقوى والأحدث):

بعد سقوط نظام صدام حسين عام 2003، تركت الحقبة البائدة تركة هائلة من الديون الخارجية (نحو 38.9 مليار دولار لدول نادي باريس وحده).

* ماذا حدث؟ لم تعلن الهيئات الدولية أن ديون صدام «كريهة» وتلغى بقوة القانون، بل تم التعامل مع الملف سياسياً ومالياً عبر اتفاق عام 2004 شمل تخفيضاً ضخماً بنسبة 80% على مراحل، انطلاقاً من إدراك المجتمع الدولي لحاجة العراق الاستثنائية للتعافي وبناء الاقتصاد. وهذا يثبت أن النتائج السياسية المطلوبة يمكن تحقيقها عبر التفاوض الحكيم دون الحاجة لمعركة قضائية مستحيلة.

2. كوبا (الأصل التاريخي):

عقب الحرب الإسبانية–الأمريكية عام 1898، رفضت الولايات المتحدة تحميل كوبا الديون التي راكمتها إسبانيا الاستعمارية عليها، واعتبرتها ديوناً غير شرعية فُرضت بقوة السلاح ضد إرادة الشعب. وأصبحت هذه الحالة المرجع التاريخي الأبرز لمؤيدي نظرية «الديون الكريهة»، وإن كانت مرتبطة بسياق استعمار وسيادة مختلف تماماً عن الحالة السورية.

3. ليبيا (حالة تحتاج للتدقيق):

على عكس العراق، لم تشهد ليبيا بعد سقوط معمر القذافي إسقاطاً أو تخفيضاً لديونها بدعوى أنها «كريهة»، بل تعاملت السلطات مع الإرث المالي عبر أطر تجميد الأصول واستمرارية الدولة وإعادة جدولة الالتزامات.

ولذلك، فإن الاستشهاد بالعراق وكوبا يظل أقوى بكثير من الحالة الليبية عند مقارنة الأوضاع السورية.

رابعاً: هل «ديون الحرب» أداة أقوى من «الديون الكريهة»؟

هنا تكمن الزاوية القانونية والسياسية الأكثر دقة في الملف السوري. يمكن التمييز بوضوح بين:

* Odious Debt (الدين الكريه): المرتبط بالفساد والاستبداد العام.

* War Debt (دين الحرب): المتمثل في الأموال التي قدمتها دول أجنبية خصيصاً لمواصلة حرب داخلية ضد الشعب السوري أو ضد القوى التي أصبحت لاحقاً ممثلة للدولة الشرعية.

إن الفرضية التي تقرر أنه «من غير المنطقي أن يرث الشعب ديوناً اقترضها نظام لمحاربته وإبادته» تملك وجاهة أخلاقية وقانونية بالغة، وتفتح باباً عريضاً للطعن في شرعية جزء معتبر من الالتزامات المالية الروسية والإيرانية التي ضُخت خلال سنوات الحرب المشتعلة.

خامساً: الاستراتيجية العملية أمام سوريا الجديدة

إن مجرد إعلان القطيعة المطلقة ورفض سداد أي التزام مالي سابق لن يجد آذاناً صاغية لدى الدائنين الدوليين، وسيضع الدولة الناشئة في مأزق العزلة المالية.

لذلك، تقتضي الحكمة الإدارية والاقتصادية اتباع مسار منهجي صارم:

* تشكيل لجنة تدقيق مستقلة: لإخضاع كل قرض لفحص دقيق (من اقترضه؟ متى؟ أين ذهبت الأموال؟ هل استخدم في مشاريع مدنية أم عمليات عسكرية وقمعية؟ وهل كان الدائن يعلم بذلك؟).

* تصنيف الديون بذكاء:

= ديون مشروعة: كالقروض التنموية أو مشاريع البنية التحتية، والتي تجري جدولتها واحترامها.

= ديون مشكوك فيها أو مرتبطة بتمويل الحرب: والتي تشكل المساحة الأوسع للطعن القانوني والسياسي، وخصوصاً الدعم العسكري الروسي والإيراني.

* الربط الاستراتيجي بين التسويات السياسية والمالية: وهنا يعود السؤال المحوري عن صفقات تسليم المطلوبين ومستقبل النفوذ؛ فالمعركة ليست قانونية بحتة، بل هي تفاوض استراتيجي معقد ستتداخل فيه أوراق تسليم الشخصيات المطلوبة، مع ملف الديون الضخمة.

خلاصة القول:

هل يكون تسليم بشار الأسد ثمناً لتسديد ديون روسيا؟ ليس بالضرورة في شكل «صفقة بيع رأس بمال»، بل في سياق تسوية شاملة تعيد صياغة العلاقة بين موسكو ودمشق من الأساس.

فإذا نجحت سوريا الجديدة في إدارة ورقة التدقيق المالي، واستندت إلى سوابق تاريخية مثل معالجة ديون العراق، مستفيدة من الحجج القوية لـ «ديون الحرب»، فقد لا تجبر على دفع أموال الحرب التي قتلت شعبها، لتتحول المساومة السياسية إلى بوابة حقيقية للتحرر المالي والسيادي معاً.

كاتب

Exit mobile version