Site icon NL NEWS Agency

العنف يصوغ الهويات داخل دائرة أوسع من الجناة: تقرير يوروبول الجديد حول الإرهاب في أوروبا

خالد بكداش – لاهاي

كشف أحدث تقرير للاتحاد الأوروبي حول وضع الإرهاب واتجاهاته (EU TE-SAT 2026)، الصادر عن وكالة الشرطة الأوروبية (يوروبول)، عن تحولات جوهرية في طبيعة التهديد الإرهابي، مؤكداً أن البيئات الرقمية أصبحت عاملاً رئيسياً في إعادة تشكيل أنماط التطرف والإرهاب داخل أوروبا.

وأشار التقرير إلى أن الإرهاب القائم على الأيديولوجيا التقليدية لا يزال مهيمناً، ويأتي الإرهاب الجهادي في مقدمة أشكاله، إلا أن عدداً متزايداً من مرتكبي أعمال العنف لم يعودوا مدفوعين بالعقيدة وحدها، بل باتوا يستخدمون العنف وسيلة لاكتساب الهوية والاعتراف الاجتماعي والشعور بالانتماء، وهو ما أدى إلى ظهور مشهد أمني أكثر تعقيداً وتفتتاً وأقل قابلية للتنبؤ.

مرحلة جديدة من التهديد الإرهابي

يوضح التقرير أن الإرهاب في أوروبا يدخل مرحلة جديدة، حيث لم تعد عملية التطرف تعتمد على الاتصال المباشر بالتنظيمات الإرهابية، بل أصبحت المنصات الرقمية تتيح للأفراد التطرف ذاتياً، مع مزج الأفكار المتطرفة بالسلوك الإجرامي، ونظريات المؤامرة، والعنف العدمي.

وفي هذا السياق، أكدت آنا شوبرغ، رئيسة المركز الأوروبي لمكافحة الإرهاب في يوروبول، أن تداخل العنف مع الهوية والأيديولوجيا جعل المؤشرات التقليدية التي تعتمد عليها أجهزة الأمن في رصد التهديدات أكثر تعقيداً وأقل وضوحاً، الأمر الذي يفرض تحديات جديدة على أجهزة إنفاذ القانون في أوروبا.

الفضاء الرقمي يعيد تشكيل الإرهاب

بحسب التقرير، أصبحت منصات التواصل الاجتماعي، وخدمات التراسل المشفرة، ومنصات الألعاب، والمجتمعات الرقمية اللامركزية بيئات خصبة لنشر الدعاية المتطرفة، والتجنيد، والتخطيط للهجمات، بما يسمح للأفراد بالتحرك بشكل مستقل دون الحاجة إلى الانتماء التنظيمي المباشر.

كما رصد التقرير تزايد التعاون بين الجماعات المتطرفة والعناصر الإجرامية، سواء في غسل الأموال أو تهريب الأسلحة أو الاحتيال الإلكتروني أو استخدام الاتصالات المشفرة، فيما تستغل جهات التهديد الهجين شبكات الجريمة المنظمة لتنفيذ عمليات تهدف إلى زعزعة استقرار المجتمعات عبر اضطرابات متراكمة ومستمرة، بدلاً من الاكتفاء بتنفيذ هجمات منفردة.

أبرز أرقام التقرير

سجل الاتحاد الأوروبي خلال عام 2025:

الإرهاب الجهادي لا يزال التهديد الأبرز

ظل الإرهاب الجهادي يمثل النسبة الأكبر من النشاط الإرهابي داخل الاتحاد الأوروبي، حيث ارتبط بـ24 هجوماً من أصل 45، و347 حالة توقيف من أصل 486 خلال عام 2025.

وأشار التقرير إلى أن أكثر من 70% من القضايا تعلقت بالدعاية الإرهابية أو أنشطة الدعم، ما يعكس تركيز أجهزة مكافحة الإرهاب على تعطيل عمليات التطرف والتعبئة قبل وصولها إلى مرحلة تنفيذ الهجمات.

كما أوضح أن التنظيمات الإرهابية باتت تعتمد بصورة متزايدة على التحريض الرقمي، وتشجيع الأفراد على تنفيذ هجمات بشكل منفرد، بينما يُظهر كثير من المنفذين فهماً سطحياً للأيديولوجيا، ويكون دافعهم الأساسي مشاعر شخصية أو انجذاباً للعنف أكثر من الالتزام العقائدي.

الشباب… ضحايا وجناة في الوقت نفسه

اعتبر التقرير أن انخراط الشباب يُعد أحد أبرز ملامح المشهد الإرهابي الحالي، إذ تستهدفهم الدعاية المتطرفة والمجتمعات الرقمية العنيفة، بما يؤدي إلى تطرفهم عبر تأثيرات أيديولوجية متعددة في آن واحد.

وخلال عام 2025، أُلقي القبض على 130 مشتبهاً بهم في قضايا إرهاب تقل أعمارهم عن 18 عاماً، وكان أصغرهم يبلغ 12 عاماً فقط.

ويرى التقرير أن كثيراً من هؤلاء لا يتبنون أيديولوجية متماسكة، بل يتأثرون بخليط من الأفكار المتطرفة المنتشرة عبر الإنترنت، وهو ما يجعلهم في الوقت ذاته ضحايا للاستقطاب ومرتكبين لأعمال العنف، الأمر الذي يستدعي مقاربة تجمع بين الوقاية والحماية وتطبيق القانون.

ما بعد الأيديولوجيا… عندما يصوغ العنف الهوية

يشير التقرير إلى أن الالتزام الأيديولوجي لم يعد المحرك الوحيد للإرهاب، بل أصبح يتداخل مع دوافع شخصية مثل البحث عن الهوية والانتماء والاعتراف الاجتماعي.

وفي بعض المجتمعات الرقمية اللامركزية، مثل شبكة The Com، تحول العنف إلى وسيلة لاكتساب المكانة والشهرة داخل المجموعة، حيث يتنقل الأفراد بين أفكار متطرفة مختلفة، تشمل التطرف اليميني، وكراهية النساء، والعدمية، والإجرام، والدعاية الإرهابية، دون ارتباط بعقيدة سياسية أو دينية واحدة.

ويخلص التقرير إلى أن العنف نفسه أصبح جزءاً من هوية بعض الأفراد، بينما أصبحت مسارات التطرف أكثر مرونة وتعقيداً، الأمر الذي يجعل اكتشاف التهديدات الإرهابية قبل وقوعها أكثر صعوبة، ويفرض على أجهزة الأمن تطوير أدوات جديدة تتجاوز التصنيفات الأيديولوجية التقليدية لفهم المشهد الإرهابي المتغير.

كاتب

Exit mobile version