الضربات الجوية الأردنية في السويداء: ضرورة أمنية ورسالة سياسية واضحة

الصحفي : محمد رائد كعكة

لم تأتِ الضربات الجوية التي نفذها سلاح الجو الأردني ضد مواقع لتصنيع الكبتاغون في محافظة السويداء جنوب سورية من فراغ، بل جاءت تتويجًا لمسار طويل من الصبر وضبط النفس، ومحاولات التنسيق الأمني الإقليمي لمواجهة آفة تحولت من جريمة منظمة إلى تهديد استراتيجي للأمن الوطني الأردني وللاستقرار الإقليمي عمومًا.

لقد بات واضحًا أن الأردن، الذي يدفع كلفة مباشرة نتيجة تهريب المخدرات عبر حدوده الشمالية، لم يعد قادرًا على تحمّل المزيد من عمليات التهريب المنظمة ولا الاعتداءات العسكرية المتكررة التي تستهدف حرس الحدود الأردني. هذه الاعتداءات تنفذها مجموعات مسلحة مرتبطة بفلول النظام السوري السابق، وهي مجموعات ورثت — عمليًا — شبكات تصنيع وتهريب الكبتاغون، وحولتها إلى مصدر تمويل ونفوذ.

في هذا السياق، لا بد من التأكيد على أن الضربات الأردنية لم تكن عملًا أحاديًا أو عدائيًا تجاه الدولة السورية، بل جاءت في إطار تنسيق كامل وواضح بين الأجهزة المعنية في الأردن وسورية، وفي مقدمتها الأمن العام في البلدين، لمكافحة إنتاج وتجارة وتهريب الكبتاغون. هذا التنسيق يعكس إدراكًا مشتركًا لخطورة الظاهرة، ويؤكد أن المعركة هي ضد شبكات الجريمة العابرة للحدود، لا ضد السيادة السورية.

أما السويداء، فقد تحولت وبعد سقوط نظام الاسد إلى إحدى أبرز بؤر تصنيع وتجارة وتهريب الكبتاغون، ليس بمعزل عن الواقع السياسي والأمني فيها. إذ تشير الوقائع إلى أن هذه الأنشطة تجري برعاية وحماية قوى انفصالية مسلحة، تستخدم عائدات المخدرات لتمويل مشاريعها وتقوية نفوذها، في محاولة لفرض أمر واقع سياسي وأمني يخدم أجندات انفصالية لا تمت بصلة لمصالح السوريين ولا لوحدة سورية.

ومن زاوية إقليمية أوسع، يبرز عامل لا يمكن تجاهله، وهو تخلي إسرائيل عن جماعة الهجري، بعد أن تحولت هذه المليشيات إلى عبء أمني وسياسي عليها. فالمتغيرات الإقليمية تشير إلى مسار جديد يدفع باتجاه ترتيبات سياسية كبرى، من ضمنها احتمالات إبرام اتفاق بين سورية وإسرائيل. وفي ظل هذه التحولات، لم تعد إسرائيل بحاجة إلى مليشيات محلية خارجة عن السيطرة، ولا إلى فوضى مسلحة قد تعيق مسارات التفاهم الإقليمي.

الخلاصة

تثبت هذه التطورات أن الرئيس أحمد الشرع يجيد مرة أخرى إدارة العلاقات السورية الخارجية، وتوظيفها بما يخدم مصلحة الدولة السورية واستقرارها. فالانفتاح على التنسيق الأمني مع الأردن، وضبط التوازنات الإقليمية، والتعامل البراغماتي مع التحولات الجيوسياسية، كلها مؤشرات على نهج يسعى لاستعادة الدولة لدورها، وتجنيب سورية مزيدًا من الفوضى، ووضع حد لاستخدام المخدرات كسلاح سياسي وأمني في المنطقة.

إن ما جرى في السويداء ليس مجرد ضربة جوية، بل رسالة واضحة: أمن الأردن خط أحمر، ووحدة سورية خط أحمر، وتجارة الكبتاغون لم تعد ورقة مسموحًا اللعب بها إقليميًا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى