الدبلوماسية السورية بين مطرقة الولاءات وسندان الكفاءات

الصحفي : محمد رائد كعكة

في المراحل الانتقالية، تميل القيادات الجديدة بطبيعتها إلى البحث عن الأشخاص الذين تثق بهم. هذا مفهوم إنسانياً وسياسياً؛ ففترة إعادة التأسيس تكون مشحونة بالقلق، والخشية من الاختراق أو التعطيل تدفع نحو الاعتماد على دائرة ضيقة من المقرّبين. لكن المشكلة تظهر عندما يتحول هذا الميل الطبيعي إلى سياسة مؤسسية دائمة، خصوصاً في القطاعات التي تتطلب خبرة تخصصية عالية، وعلى رأسها السلك الدبلوماسي.

الدبلوماسية ليست مجالاً يُدار بمنطق الولاء الشخصي، بل بمنطق التراكم المهني. هي حرفة طويلة الأمد، تُبنى عبر سنوات من العمل في السفارات، وفهم الأعراف الدولية، وإدارة الأزمات، وصياغة الاتفاقيات، وقراءة التحولات الجيوسياسية. كل خطأ صغير في هذا المجال قد ينعكس على صورة الدولة ومصالحها الاقتصادية والسياسية لسنوات.

الاعتماد على “أهل الثقة” دون امتلاكهم خبرة دبلوماسية كافية يخلق ثلاث مشكلات رئيسية:

أولاً: ضعف الأداء الخارجي.

الدبلوماسي غير المحترف يواجه عالماً شديد الاحتراف. في الاجتماعات الدولية لا تُقاس النوايا، بل تُقاس القدرة على التفاوض، والدقة في اللغة، وفهم التفاصيل القانونية والسياسية. الدول الأخرى ترسل أفضل كوادرها، وأي فجوة في المستوى المهني تتحول فوراً إلى خسارة تفاوضية.

ثانياً: اهتزاز صورة الدولة.

السفارة ليست مجرد مكتب إداري؛ إنها واجهة سياسية وثقافية. أداء السفير يعكس صورة النظام الإداري كله. عندما تُدار البعثات بعقلية الهواة، تتكوّن لدى الشركاء الدوليين قناعة بأن الدولة ما تزال تعمل بعقلية الفصائل لا بعقلية المؤسسات.

ثالثاً: إضاعة فرصة بناء جيل مهني جديد.

حين يُقصى أصحاب الخبرة لصالح الولاء، لا يتم فقط إضعاف الحاضر، بل يتم تعطيل عملية نقل المعرفة. الكوادر الشابة تحتاج إلى العمل إلى جانب محترفين حقيقيين لتتعلم. أما حين يكون الجميع في مرحلة التجربة، فإن المؤسسة كلها تبقى في حالة تدريب دائم بلا مرجعية خبرة.

النصيحة الواقعية لأي قيادة تسعى إلى تثبيت شرعيتها وبناء دولة مستقرة هي الفصل بين الثقة السياسية والكفاءة المهنية دون التضحية بأي منهما. يمكن وضع معايير أمنية وسياسية واضحة، مع الإصرار في الوقت نفسه على شرط الخبرة الدبلوماسية كعنصر غير قابل للتفاوض في المناصب العليا. هذا ليس تنازلاً سياسياً، بل حماية للدولة نفسها.

العديد من الدول الخارجة من نزاعات سلكت هذا الطريق: استعادت خبراتها المهنية، وضعت لها أطر رقابة واضحة، ثم دمجتها في مشروع وطني جديد. النتيجة لم تكن فقط أداءً أفضل، بل تخفيفاً للتوتر الداخلي، لأن معيار الكفاءة يعطي إحساساً بالعدالة أكثر من معيار القرب الشخصي.

المؤسسة الدبلوماسية تحديداً تحتاج إلى عقلية دولة لا عقلية مرحلة. المرحلة الانتقالية مؤقتة، لكن السفراء الذين يُعيّنون اليوم سيؤثرون في علاقات البلاد لسنوات طويلة. لذلك فإن الاستثمار في الخبرة ليس قراراً إدارياً فحسب، بل قرار استراتيجي يحدد موقع الدولة في النظام الدولي.

الدولة القوية لا تخشى الكفاءات، حتى حين لا تنتمي إلى دائرتها الضيقة. بل تعتبرها أداة من أدوات السيادة. وكلما أسرعت القيادة في الانتقال من منطق “من نثق به؟” إلى منطق “من يستطيع أن ينجز؟”، اقتربت خطوة إضافية من بناء مؤسسات مستقرة قادرة على الاستمرار بعد انتهاء اللحظة السياسية الراهنة.

في النهاية، الشرعية الحقيقية لأي نظام جديد لا تُبنى فقط عبر الخطاب أو التاريخ السياسي، بل عبر قدرته على إدارة الدولة بكفاءة. والدبلوماسية هي الاختبار الأكثر وضوحاً لهذا النضج المؤسسي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى