Site icon NL NEWS Agency

الجغرافيا لا تكذب: لماذا يختار السوريون البقاء في “الشتات البعيد” والعودة من “الجوار القريب”؟

الصحفي خالد فيصل الطويل

عندما نتأمل خريطة التوزع الجغرافي للسوريين الذين غادروا بلادهم خلال العقد الماضي، نجد أمامنا مفارقة صارخة؛ فالمهاجر الذي وصل إلى ألمانيا أو كندا أو السويد وحصل على جنسياتها، يبدو وكأنه أرسى جذوراً يصعب اقتلاعها، حيث نجد أن نسبة بقائهم هناك تتجاوز 99%، بينما تبدو دول الجوار (مثل تركيا ولبنان) كمحطات انتظار، حيث عاد معظم من استقروا فيها إلى سوريا. هذه المفارقة ليست صدفة، بل هي محصلة لمعادلة معقدة تجمع بين الأمان القانوني والأفق المستقبلي.

الاستقرار كمسار حياة:

في الدول الأوروبية وكندا، لم يذهب السوري “كلاجئ” فحسب، بل ذهب ليُمنح “مساراً”. الحصول على الإقامة الدائمة أو الجنسية هو بمثابة شهادة ميلاد جديدة. هناك، يشعر الإنسان بأن القانون يحميه، وأن بإمكانه التخطيط لسنواته القادمة مطمئناً. هذا الشعور بالاستقرار هو “المادة اللاصقة” التي تمنع العودة؛ فالمهاجر هناك يبني حياة ومستقبلاً لأطفاله، وعندما يبني الإنسان بيتاً (بالمعنى المجازي)، يصبح من الصعب جداً هدمه والعودة إلى المجهول.

وعلى النقيض، في دول الجوار، يعيش السوري حالة “ترقب دائم”. بين التحديات الاقتصادية والسياسية، ووضع “الحماية المؤقتة” المتقلب، لا يشعر المهاجر بأنه مواطن، بل كضيف ثقيل أو ورقة ضغط. هنا، يصبح قرار العودة إلى سوريا – رغم مخاطره – خياراً تفرضه قسوة الواقع في الخارج، لا الرغبة المطلقة في العودة.

دور المؤسسات المغتربة: جسرٌ عبور للأجيال

وسط هذا الانقسام، تبرز “المؤسسات السورية المغتربة” كفاعلٍ حيوي لا ينبغي إغفاله.

إن دور هذه المؤسسات – سواء كانت حقوقية، تعليمية، أو ثقافية – يتجاوز مجرد تقديم الدعم المباشر؛ فهي تعمل كـ “حاضنات هوية” للأجيال الجديدة. من خلال ربط أبناء المهاجرين بجذورهم عبر برامج ثقافية ومشاريع تنموية مشتركة مع الداخل، يمكن لهذه المؤسسات أن تخفف من حدة “الاغتراب الثقافي”، وأن تحوّل سوريا في عيون الجيل الثاني من “وجهة غامضة” إلى “شريك في الطموح والمسؤولية”.

إن نجاح هذه المؤسسات في خلق رابط مهني وأكاديمي مع الداخل هو ما سيحدد مستقبلاً ما إذا كانت العودة ممكنة أم ستقتصر على مجرد “زيارات عابرة”.

العودة بعد عقد.. هل هي ممكنة؟

يبقى السؤال الجوهري: ماذا لو استقرت سوريا وازدهرت بعد عشر سنوات؟

هنا ندخل في صراع بين الحنين والواقع:

الجيل الأول: سيظل الحنين محركاً، لكن العودة النهائية ستظل مشروطة بمدى جودة المؤسسات؛ فمن اعتاد على عدالة القانون في الغرب سيجد صعوبة في التكيف مع غيابها في وطنه.

الجيل الثاني: التحدي هنا وجودي؛ فهؤلاء نشؤوا في نسيج اجتماعي غربي، وسوريا بالنسبة لهم وطن الأجداد، لكنها لن تكون “المستقر” إلا إذا أصبحت منارةً للفرص العلمية والاقتصادية.

خلاصة القول:

إن قرار العودة لن يكون عاطفياً فقط، بل سيكون قراراً مدروس بمنطق مؤسساتي.

قد لا نشهد عودة جماعية للهجرة العكسية، بل قد نرى توجهاً نحو “عولمة الوجود السوري”، حيث يربط المغتربون حياتهم بوطنهم الأم عبر الاستثمار والزيارات، بينما يحافظون على مراكزهم في الغرب.

في نهاية المطاف، لن يعود السوري إلا إذا وجد في بلده مظلة قانونية تماثل ما وجده في المنافي البعيدة.

إن السؤال اليوم ليس فقط “هل سيعودون؟”، بل “ما الذي نبنيه اليوم ليجدوه عند عودتهم؟

كاتب

Exit mobile version