الصحفي – محمد رائد كعكة
لا تبدو زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق مجرد محطة بروتوكولية في سجل الدبلوماسية الفرنسية، بل أقرب إلى مشهد يعكس التحولات الكبرى في السياسة الدولية؛ حيث تتصافح المبادئ مع المصالح، ويجلس الخطاب الحقوقي إلى الطاولة نفسها التي تُوقَّع عليها عقود الطاقة والطيران وإعادة الإعمار.
في أزقة دمشق القديمة، وبين حجارة الجامع الأموي والياسمين الدمشقي، بدا المشهد وكأنه إعادة إخراج لعلاقة تاريخية قديمة بين باريس وبلاد الشام، لكن هذه المرة بديكور حديث عنوانه: “الاستثمار أولًا”. فبينما كان الرئيس الفرنسي يتحدث عن التعددية السياسية، واحترام مكونات المجتمع، والاستقرار الإقليمي، كان رجال الأعمال المرافقون له يحدقون – على الأرجح – في خرائط حقول الغاز والنفط وفرص إعادة الإعمار أكثر من حدائق الياسمين.
ولعل أكثر ما لفت الأنظار أن ماكرون لم يغيّر برنامج زيارته رغم التفجيرين اللذين تزامنا مع الزيارة، حتى وإن كانا بعبوات بدائية الصنع. بدا الرجل وكأنه قرر أن يبعث برسالة واضحة مفادها أن المخاوف الأمنية لن تعطل الحضور الفرنسي في دمشق، وأن باريس ماضية في تثبيت موطئ قدمها مهما كانت الظروف. الرسالة السياسية لم تكن أقل وضوحًا من الرسالة الاقتصادية؛ دعمٌ معلن للحكومة السورية في مواجهة الإرهاب، وإصرار على المضي في مسار الانفتاح والتعاون معها. أما الرسالة غير المعلنة، فربما تقول إن من يريد حجز مقعده على مائدة إعادة الإعمار لا ينتظر حتى ينطفئ آخر دخان في سماء المدينة. ففي السياسة، كثيرًا ما تكون شهية المصالح أكبر من رهبة الانفجارات.
السياسة، كما أثبتت التجارب، لا تعرف الفراغ. وما إن بدأت العقوبات تتراجع أو تخف حدتها، حتى سارعت باريس إلى حجز مقعدها حول “المائدة السورية” قبل أن يصل الضيوف الآخرون، وفي مقدمتهم واشنطن، التي لا تُفوّت عادة فرصة اقتصادية إلا إذا كانت تستعد لفرصة أكبر.
ولعل أكثر ما يختصر الزيارة هو الاتفاق المبدئي على تزويد مؤسسة الطيران العربية السورية بثماني طائرات من شركة إيرباص. فالطائرات هنا ليست مجرد وسيلة نقل، بل رسالة سياسية وتجارية في آن واحد: فرنسا تريد أن تكون أول من يحلق في سماء السوق السورية قبل أن تقلع طائرات المنافسين. وكأن فرساي قررت أن تنتقل مؤقتًا إلى أبو رمانة، ولكن هذه المرة على متن “إيرباص” وليس على متن البوارج.
أما المواطن السوري، فهو يتابع هذا المشهد بعين مختلفة تمامًا. لا تعنيه كثيرًا المنافسة بين “إيرباص” و”بوينغ”، ولا سباق الشركات العملاقة على عقود النفط والغاز، بقدر ما يتساءل إن كانت هذه الطائرات الجديدة ستقله يومًا إلى وجهته دون أن يشعر أنه يستقل حافلة مهترئة تعبر طريقًا ريفيًا مليئًا بالحفر. ثم ينتقل سريعًا إلى أسئلته الأكثر إلحاحًا: هل ستتحسن الكهرباء؟ هل ستتوافر أسطوانة الغاز؟ وهل ستبقى زيادة الوزن في الحقائب تُحسب باليورو أم سيشملها “إعادة الإعمار” أيضًا؟ وهل ستكون وجبة السفر كرواسون فرنسيًا فاخرًا، أم ستظل شطيرة الجبنة اليابسة هي السفير الحقيقي للخطوط السورية؟
هذه هي المفارقة التي تصنعها السياسة. الزعماء يتبادلون الابتسامات أمام الكاميرات، والشركات تتبادل العقود خلف الأبواب المغلقة، بينما يبقى المواطن منشغلًا بأسئلة الحياة اليومية التي لا تجد مكانًا في البيانات المشتركة.
ولم تخلُ الزيارة من ضجيج المعتادين على الاعتراض. اليمين الفرنسي رأى في استقبال ماكرون للرئيس السوري تنازلًا غير مبرر، واليسار أعاد التذكير بملفات حقوق الإنسان، في حين تابع خصوم فرنسا الإقليميون المشهد بقلق، مدركين أن النفوذ لا يُقاس بعدد التصريحات، بل بعدد العقود الموقعة.
وفي النهاية، ربما يكون المشهد الأكثر واقعية هو ذلك المواطن السوري الذي اكتسب، بعد سنوات طويلة من الأزمات، ما يمكن تسميته “مناعة دبلوماسية”. لم يعد ينبهر بالزيارات التاريخية ولا بالبيانات الرنانة. فحتى لو عاد نابليون بونابرت بنفسه إلى دمشق، فلن يكون السؤال عن أمجاد فرنسا ولا عن مستقبل الشرق الأوسط، بل سيكون ببساطة: “هل أحضرت معك لتر مازوت مدعومًا؟”
أما ماكرون، فقد سجل اسمه كأول رئيس غربي يزور دمشق في مرحلتها الجديدة، بينما سجلت فرنسا حضورها المبكر في سباق إعادة الإعمار، وأرسلت رسالة مفادها أن من يتأخر عن الدخول إلى السوق السورية، قد لا يجد سوى الفتات بعد انتهاء الوليمة. ويبقى السؤال مفتوحًا: هل كانت الزيارة انتصارًا للمبادئ التي تحدثت عنها باريس، أم للمصالح التي حملها رجال الأعمال في حقائبهم؟ وربما يكون الجواب، كما هي العادة في السياسة، أن المبادئ تدخل من الباب الأمامي أمام عدسات الكاميرات… أما المصالح فتدخل من الباب الخلفي، حاملةً معها عقود النفط، وصفقات الغاز، وطائرات “إيرباص”، وحصةً مبكرة من الكعكة السورية قبل أن يستيقظ “الأشقر” في واشنطن ويطالب بحصته هو الآخر
