الكاتب الصحفي : محمد رائد كعكة
منذ سقوط نظام بشار الأسد في نهاية عام 2024، عادت كلمة «الديمقراطية» بقوة إلى القاموس السياسي السوري. يتحدث بها السياسي، ويرفعها الناشط، ويطالب بها المثقف، ويصرخ باسمها المعارض، بل وحتى من لم يمارس في حياته قبول رأي مخالف لرأيه.
لكن السؤال الذي ربما نخشى طرحه بصراحة هو:
هل نحن، كسوريين، مستعدون فعلاً للديمقراطية؟
وهل الديمقراطية صندوق اقتراع نضعه في ساحة عامة، ثم نصبح في صباح اليوم التالي دولة ديمقراطية؟
أم أنها ثقافة سياسية واجتماعية تحتاج إلى سنوات من بناء الإنسان والمؤسسات، وإعادة تعريف علاقة المواطن بالدولة، والأكثرية بالأقلية، والحاكم بالمحكوم، بل وعلاقة السوري بالسوري المختلف عنه؟
ديمقراطية لم يُكتب لها أن تكبر
لم تكن الديمقراطية غريبة تماماً عن التاريخ السياسي السوري.
فبعد الاستقلال عن فرنسا، عرفت سوريا حياة برلمانية وانتخابات وأحزاباً وصحافة سياسية، لكن هذه التجربة بقيت هشة وقصيرة العمر، وسرعان ما اقتحم الجيش المجال السياسي عبر سلسلة الانقلابات التي بدأت عام 1949.
عادت الحياة البرلمانية لفترة قصيرة في الخمسينيات، قبل أن تدخل البلاد تجربة الوحدة مع مصر عام 1958، والتي انتهت بالانفصال عام 1961. ولم تتمكن مرحلة الانفصال القصيرة من إنتاج استقرار ديمقراطي حقيقي، قبل أن يصل حزب البعث إلى السلطة بانقلاب عام 1963.
ومنذ وصول حافظ الأسد إلى الحكم عام 1970، دخلت سوريا مرحلة طويلة من حكم أمني شديد المركزية، ثم انتقلت السلطة إلى ابنه بشار الأسد عام 2000 وسط آمال بالإصلاح سرعان ما تبددت.
وبعد عقود من الاستبداد والحرب والاعتقال والتهجير والدمار، سقط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024.
وهنا بدأ السؤال الأصعب:
لقد سقط النظام، ولكن هل سقطت ثقافته من داخلنا؟
الديمقراطية ليست حرية «شرشحة» المسؤول
بعد أكثر من نصف قرن من الحكم السلطوي، من الطبيعي أن يشعر السوري بأنه يريد الكلام.
يريد أن ينتقد، وأن يسأل الرئيس والوزير والمحافظ والمدير: لماذا فعلتم هذا؟ ومن أعطاكم الحق؟ وأين المال؟ ولماذا فشلتم؟
وهذا حق أصيل لا ينبغي لأحد مصادرته.
لكن حرية النقد شيء، وتحويل المجال العام إلى حفلة يومية من الشتائم والتشهير والتخوين شيء آخر تماماً.
بعض السوريين يتعاملون اليوم مع الديمقراطية وكأن معناها الوحيد هو أنني أستطيع أن أقول للمسؤول ما أشاء.
وهذه ليست ديمقراطية.
جوهر النقد في المجتمع الديمقراطي هو الإصلاح والمساءلة، وليس الهدم لمجرد الهدم.
أن تنتقد وزيراً لأن قراره فشل، وأن تقدم الوقائع وتسأله عن مسؤوليته وتطالب بمحاسبته، فهذه ممارسة ديمقراطية.
أما أن تختلف معه فتطعن في أصله وعائلته وطائفته ومنطقته، وتتهمه بالخيانة والعمالة والسرقة دون دليل، ثم تعتبر ذلك «حرية تعبير»، فأنت لم تدخل الديمقراطية بعد؛ أنت فقط خرجت من صمت الاستبداد إلى فوضى الكلام.
والفارق كبير.
الديمقراطية تحتاج إلى إعادة تربية سياسية
قد تبدو العبارة قاسية، لكن سوريا تحتاج إلى إعادة تربية سياسية للمجتمع.
لا أقصد أن تأتي سلطة لتعلّم الشعب كيف يفكر؛ فهذا بحد ذاته طريق جديد إلى الاستبداد.
المقصود هو إعادة بناء الثقافة المدنية والسياسية بعد عقود طويلة جرى خلالها تجريف المجال العام.
فنحن لم نتعلم طوال عقود كيف نختلف.
لم نتعلم كيف نخسر انتخابات ونهنئ الفائز.
كيف نكون في المعارضة دون أن نعتبر الحكومة خائنة.
وكيف نكون في الحكومة دون أن نعتبر المعارضة مؤامرة.
وكيف ندافع عن حق شخص نختلف معه جذرياً في الكلام.
وكيف نقبل أن يحكمنا، عبر انتخابات حرة، شخص لم نصوت له.
الديمقراطية سهلة عندما يفوز مرشحك.
امتحانك الديمقراطي الحقيقي يبدأ عندما يخسر مرشحك.
وهل حقاً «لا ديمقراطية في الإسلام»؟
في مقابل من يطالبون بالديمقراطية دون فهم كامل لمعناها، يظهر خطاب آخر لا يقل إثارة للقلق، يختصر القضية بعبارة حاسمة:
«لا ديمقراطية في الإسلام».
وكأن مجرد لفظ الديمقراطية يجعل التشاور وتعدد الآراء ومشاركة الناس في شؤونهم مفاهيم غريبة عن الثقافة الإسلامية.
لكن القرآن الكريم يقول بوضوح في وصف المؤمنين:
﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾ – سورة الشورى، الآية 38.
ولا أقول هنا إن مفهوم الشورى في التراث الإسلامي مطابق حرفياً للنموذج الديمقراطي الليبرالي الحديث؛ فهذا ادعاء يتجاهل اختلاف الأزمنة والنظم السياسية والمفاهيم الدستورية.
لكن من الصعب في المقابل قراءة مبدأ «وأمرهم شورى بينهم» باعتباره تفويضاً للحاكم كي يحتكر الرأي والقرار، أو إلغاءً لحق الناس في المشاركة في شؤونهم العامة.
فالشورى في جوهرها نقيض للاستئثار بالرأي.
والديمقراطية الحديثة، مهما اختلفنا حول تفاصيلها ونماذجها، تقوم كذلك على مبدأ جوهري: أن إدارة الشأن العام ليست ملكاً لفرد واحد، وأن القرار السياسي يحتاج إلى مشاركة ورقابة ومحاسبة.
ومن هنا يصبح النقاش الحقيقي أكثر عمقاً من شعار «الديمقراطية حلال أو حرام».
السؤال هو:
هل نريد دولة يحكم فيها شخص واحد لأنه يرى نفسه أعرف بمصلحة الناس؟
أم دولة توجد فيها آليات تجعل الناس شركاء في اختيار من يدير شؤونهم ومراقبته ومحاسبته وتغييره؟
ومن المفارقات أن بعض من يرفضون الديمقراطية باسم الإسلام يقبلون، عملياً، أن يستأثر فرد أو مجموعة صغيرة بقرار ملايين الناس، بينما القرآن نفسه جعل من صفات المؤمنين أن أمرهم شورى بينهم.
المشكلة إذن ليست في الاسم بقدر ما هي في الجوهر.
من العائلة والعشيرة والطائفة إلى المواطن
هناك مشكلة أخرى لا يمكن القفز فوقها بالشعارات.
جزء معتبر من المجتمع السوري ما زال محكوماً بانتماءات ما قبل الدولة الحديثة: العائلة، والعشيرة، والمنطقة، والطائفة.
وهذه الانتماءات ليست عيباً في ذاتها. المشكلة تبدأ عندما تصبح أقوى من مفهوم المواطنة.
عندما أنتخب ابن عشيرتي لأنه ابن عشيرتي، وأدافع عن ابن طائفتي لأنه ابن طائفتي، وأرفض مسؤولاً لأنه من منطقة أخرى، ثم أطالب بعد ذلك بدولة ديمقراطية حديثة، فأنا أطلب من صندوق الانتخابات أن ينتج دولة حديثة بأدوات اجتماعية لم تتجاوز بعد منطق العصبية.
فالديمقراطية ليست حكم الأكثرية فقط.
إنها أيضاً دستور، وقضاء مستقل، وفصل للسلطات، وصحافة حرة، وحقوق للأقليات، ومحاسبة للحكومة، وتداول للسلطة، ومجتمع مدني، وأحزاب تستطيع العمل دون خوف.
أحزاب؟ لا نريد أحزاباً!
ومن أكثر الظواهر التي تستحق التوقف عندها اليوم تلك الدعوات التي يطلقها بعض المؤثرين وصناع المحتوى، ومن بينهم شخصيات تُحسب إعلامياً أو سياسياً على مؤيدي الرئيس أحمد الشرع، للتحذير من تأسيس الأحزاب السياسية في سوريا، وتصوير الأحزاب باعتبارها شراً سيقسم السوريين ويدمر البلاد.
وهنا يجب أن نتوقف.
كيف نريد ديمقراطية بلا أحزاب؟
إذا مُنع المواطن من تنظيم نفسه سياسياً مع أشخاص يتشاركون معه رؤية اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية، فأين سيذهب؟
إلى العشيرة؟
إلى الطائفة؟
إلى المنطقة؟
إلى الشيخ؟
إلى الزعيم؟
أم إلى المؤثر الذي يمتلك مليون متابع؟
الحزب السياسي في ذاته ليس وباءً.
قد يكون الحزب فاسداً أو متطرفاً أو قائماً على عبادة الفرد، لكن العلاج ليس بإلغاء الأحزاب، وإنما بقانون ينظمها ويضمن شفافية تمويلها ويمنع أجنحتها المسلحة ويحمي حق المواطنين في تأسيسها والانضمام إليها والخروج منها.
فإفراغ الساحة من الأحزاب لا يلغي السياسة، بل قد ينقلها من المؤسسات العلنية المنظمة إلى العصبيات ومراكز النفوذ والجماعات غير الرسمية.
والدولة التي لا تسمح بتعدد مراكز التفكير السياسي قد تجد نفسها، عاجلاً أو آجلاً، أمام مركز سياسي واحد.
ونحن السوريين نعرف هذه القصة جيداً.
أحمد الشرع ليس بحاجة إلى جمهور يصفق
من حق السوري أن يؤيد أحمد الشرع.
ومن حقه أن يعارضه.
ومن حقه أن يؤيد بعض قراراته ويرفض بعضها الآخر.
المشكلة تبدأ عندما يصبح معيار الوطنية هو مقدار التأييد للرئيس، أو عندما يتحول مؤيدوه إلى شرطة إلكترونية تحدد من هو الوطني ومن هو الخائن.
كما تبدأ المشكلة في الجهة المقابلة عندما يتحول رفض الرئيس إلى رفض تلقائي لكل ما تفعله الدولة.
الديمقراطية لا تحتاج إلى مواطنين يهتفون للرئيس، ولا إلى مواطنين يستيقظون صباحاً بحثاً عن خطأ جديد له.
إنها تحتاج إلى مواطن يسأل:
ماذا فعلت السلطة؟ وهل كان ما فعلته قانونياً؟ وهل نجح؟ ومن يراقبها؟ ومن يحاسبها؟ وهل أستطيع تغييرها سلمياً إذا لم أعد أريدها؟
هذا هو السؤال الديمقراطي.
الديمقراطية ليست اختراعاً أوروبياً
لسنا بحاجة إلى استعراض طويل للنماذج الدولية لندرك أن الديمقراطية ليست مرتبطة بشعب أو دين أو قارة بعينها.
هولندا، على سبيل المثال، لم تصل إلى نظامها الحالي دفعة واحدة، بل عبر تطور طويل للمؤسسات والرقابة البرلمانية والتعددية الحزبية واستقلال القضاء وحماية الحقوق.
وفي آسيا تقدم تايوان وكوريا الجنوبية مثالين مختلفين لدول مرت بمراحل من الحكم السلطوي قبل الانتقال إلى أنظمة سياسية تعددية وتنافسية.
إذن المسألة ليست جينات أوروبية.
ولا يوجد شعب يولد ديمقراطياً وشعب آخر يولد مستبداً.
الديمقراطية تُتعلم، وتُمارس، وتُخطئ، وتتعثر، ثم تُصحح نفسها.
فهل تليق الديمقراطية بسوريا الجديدة؟
ربما السؤال نفسه يحتاج إلى تعديل.
ليس السؤال: هل تليق الديمقراطية بالسوريين؟
بل:
كيف نصنع البيئة التي تجعل السوريين قادرين على حماية الديمقراطية؟
لأننا إذا قلنا إن المجتمع غير جاهز للديمقراطية، فقد يظهر غداً من يقول لنا: حسناً، دعوني أحكمه عشرين عاماً حتى يصبح جاهزاً.
وسنعود إلى نقطة البداية.
وإذا قلنا، في المقابل، إن إسقاط الديكتاتور يعني أننا أصبحنا ديمقراطيين تلقائياً، فنحن نخدع أنفسنا.
سوريا الجديدة تحتاج إلى بناء المؤسسات والثقافة السياسية، لكن هذا البناء يجب أن يتم داخل مسار ديمقراطي، لا قبله.
نحتاج إلى مدارس تعلم الطالب أن يسأل، لا أن يحفظ.
إلى إعلام يحقق، لا إعلام يصفق.
إلى أحزاب تتنافس بالبرامج، لا بالسلاح والطائفة.
إلى قضاء يستطيع أن يقول للرئيس: أخطأت.
إلى برلمان يستطيع أن يسأل الوزير: أين ذهبت الأموال؟
إلى مسؤول يعرف أن المنصب مؤقت.
وإلى مواطن يعرف أن الحرية مسؤولية، وليست مجرد حق في الصراخ.
والأهم من كل ذلك، نحتاج إلى أن نتعلم شيئاً حُرم السوريون منه طويلاً:
أن نختلف دون أن نتحول إلى أعداء.
فالديمقراطية، قبل أن تصل إلى القصر الجمهوري ومجلس الشعب وصندوق الاقتراع، يجب أن تصل إلى البيت والمدرسة والجامعة والإعلام والحزب ومكان العمل.
يجب أن يتعلم الأب أن أبناءه قد يخالفونه.
والمدير أن موظفه يستطيع انتقاده.
والشيخ أن المؤمن يستطيع سؤاله.
والصحفي أن من حق الناس تفنيد مقاله.
والرئيس أن سوريا ليست ملكه.
والمعارض أن معارضة السلطة لا تمنحه احتكار الحقيقة.
عندها فقط يمكن أن تبدأ الديمقراطية السورية الحقيقية.
لا ديمقراطية الشعارات.
ولا ديمقراطية المؤثرين.
ولا ديمقراطية «أنا معك ما دمت تتفق معي».
بل ديمقراطية تستطيع أن تقول للآخر:
أنا أختلف معك، وربما أرفض كل ما تؤمن به، لكنني أقبل حقك في أن تكون شريكاً معي في وطن لا يملكه أي منا وحده.
بعد أكثر من نصف قرن من الاستبداد، ربما لا تكون الديمقراطية أسهل طريق أمام سوريا.
لكن التاريخ السوري نفسه يطرح سؤالاً أكثر إلحاحاً:
كم مرة علينا أن نجرب طريق الرجل الواحد، والحزب الواحد، والرأي الواحد، حتى ندرك إلى أين ينتهي؟
