Site icon NL NEWS Agency

وعي سوري: الخطر ليس فيما سقط… بل فيما بقي فينا!!!

بقلم خالد فيصل الطويل

في لحظةٍ مفصليةٍ من تاريخ سوريا، وبعد سقوط نظامٍ جثم على صدور السوريين لعقود، يجد المجتمع نفسه أمام سؤالٍ عميق: ماذا بعد؟ ليس فقط على مستوى السياسة أو إعادة الإعمار، بل على مستوى الوعي ذاته. فالتحرر الحقيقي لا يكتمل بسقوط سلطةٍ مستبدة، بل يبدأ حين يتحرر الإنسان من آثارها التي تسللت إلى تفكيره وسلوكه وعلاقاته.

لقد تركت سنوات القمع والخوف والانقسام آثاراً عميقة في بنية المجتمع السوري. لم يكن النظام مجرد سلطة سياسية، بل منظومة متكاملة أعادت تشكيل الوعي العام، وغذت الشك بين الناس، ورسخت الانقسامات الطائفية والمناطقية، ودفعت بالكثيرين إلى الانكفاء على ذواتهم أو البحث عن خلاصٍ فردي. لذلك، فإن التحدي الأكبر اليوم لا يكمن فقط في بناء مؤسسات جديدة، بل في إعادة بناء الإنسان السوري نفسه.

الوعي السوري المطلوب في هذه المرحلة هو وعي جامع، يتجاوز الاصطفافات الضيقة، ويؤمن بأن سوريا لا يمكن أن تُبنى إلا بكل أبنائها. هو وعي يدرك أن الاختلاف ليس تهديداً، بل مصدر قوة، وأن العدالة لا يمكن أن تكون انتقائية، بل يجب أن تشمل الجميع دون استثناء. هذا الوعي لا يولد تلقائياً، بل يحتاج إلى جهدٍ جماعي، يبدأ من التعليم والإعلام، ويمتد إلى الخطاب السياسي والمجتمعي.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث في “سوريا الجديدة” هو إعادة إنتاج أنماط التفكير القديمة بوجوهٍ جديدة. فالثأر، والإقصاء، واحتكار الحقيقة، كلها أمراض إن لم تُعالج، ستقود إلى دوراتٍ جديدة من العنف وعدم الاستقرار. لذلك، فإن الوعي السوري المنشود يجب أن يقوم على قيم المواطنة، وسيادة القانون، واحترام الكرامة الإنسانية، بعيداً عن أي نزعات انتقامية.

كما أن على السوريين أن يدركوا أن بناء وطنٍ ديمقراطي لا يعني فقط تغيير النظام، بل تغيير العلاقة بين الفرد والدولة. لم يعد مقبولاً أن يكون المواطن مجرد تابع، بل شريك في صنع القرار، ومسؤول عن حماية مكتسبات الحرية. وهذا يتطلب وعياً سياسياً ومدنياً، يعزز ثقافة المشاركة والمساءلة، ويعيد الثقة بالمجال العام.

ولا يمكن إغفال دور الذاكرة في تشكيل هذا الوعي. فالتجارب المؤلمة التي عاشها السوريون يجب ألا تُنسى، لكن في الوقت ذاته يجب ألا تتحول إلى وقودٍ للكراهية. المطلوب هو ذاكرة عادلة، تعترف بالضحايا، وتطالب بالمساءلة، لكنها تفتح أيضاً باباً للمصالحة الحقيقية المبنية على العدالة، لا على النسيان أو التنازل.

في سوريا المستقبل، سوريا ما بعد الأسد -الأسد ليس كشخص أو كعائلة بل كنظام احتكر السلطة وجثم على صدور السوريين عشرات السنين- في سوريتنا هذه من حق كل سوري أن يطالب بضرورة قبول نقد الذات بالتوازي وربما قبل محاسبة الماضي.

 ومن حق السوري أن يخشى إعادة إنتاج ما أسقطناه.

من حق السوري أن يتساءل هل تغيّر النظام و بقيت العقليات؟

 من بؤمن بالثورة ينتظر أن تسقط الذهنية، فما أسقطناه سيعود إن لم نُسقطه في داخلنا، والخطر الحقيقي اليوم ليس في النظام الذي لن يعود رغم المحاولات والمساعي اليائسة لفلوله البائسين؛ بل استنساخ النظام بلبوس آخر !!! هناك حيث يتحول النصر إلى بداية الخطر ستكون معركتنا الحقيقية ليست مع الماضي فقط مع القادم الذي ليس بدون وعي سوري جمعي لن يكون أجمل.

في النهاية، إن سوريا الجديدة ليست مجرد مشروع سياسي، بل مشروع وعي. وإذا لم ينجح السوريون في بناء هذا الوعي، فإن كل الإنجازات الأخرى ستبقى هشة وقابلة للانهيار. أما إذا تمكنوا من ذلك، فسيكونون قد وضعوا الأساس الحقيقي لدولةٍ تستحق تضحياتهم، دولةٍ لا يُخاف فيها من الغد، دولةٍ يُينى فيها الأمل كل يوم.

كاتب

Exit mobile version